رجعولي التلاجه الاول ج2.. حكايات منــال عـلـي

لمحة نيوز

الجزء الثاني 👇🏼 
قبل ما ندى ترجع بيتها، كانت متوقعة إنها هتقعد وتنهار وتعيط. بس أول ما دخلت الشقة... لا عيطت، ولا صرخت، ولا حتى رفعت سماعة التليفون تفضفض لصاحبتها وتشتكي. 

حكايات منــال عـلـي 
بالعكس... حطت شنطة السفر على الأرض برود، وعملت لنفسها فنجان قهوة مظبوط، وقعدت قدام اللابتوب. كانت مؤمنة بحاجة واحدة... لما الدنيا تبوظ، العقل هو اللي لازم يشتغل مش الأعصاب! متوفره على روايات واقتباسات 
فتحت درج المكتب، وطلعت الملف اللي شايلة فيه كل أوراق الشقة. الشقة دي كانت باسمها من قبل الجواز، ورثاها عن جدتها، وكل ورقها وعقودها سليمة وموثقة ومية مية.
بعدها فتحت الإيميل، وبدأت تنبش وتدور على فواتير الأجهزة كلها:
فاتورة التلاجة.
فاتورة التلفزيون.
فاتورة المكنسة.
حتى فاتورة الشنيور وشنطة العدة!
كل حاجة كانت متصورة بالموبايل ومتسجلة بالتاريخ. ندى من زمان وهي متعودة تشيل وتتحفظ بأي ورقة تخص بيتها، لأنها كانت عارفة ومقتنعة إن مفيش حد بيحمي حق البني آدم غير نفسه.
بعدها فتحت الواتساب، وبعتت رسالتين.
الرسالة الأولى كانت لأحمد، وكتبتله فيها لستة طويلة عريضة بكل الحاجات اللي خرجت من بيتها وطارت على مدار السنين، وفي آخر الرسالة كتبتله:
"قدامكم أسبوع واحد بالتمام والكمال ترجعوا فيه كل حاجة اتأخدت من بيتي... ولو ده محصلش، هعمل محضر رسمي وآخد كل الإجراءات القانونية ضد أي حد حط إيده على حاجة مش بتاعته ومن غير إذن صاحبتها."
أما الرسالة التانية، فبعتتها لحماتها أمينة، بس صياغتها كانت ناشفة ورسمية أوي وتخوف.
معداش عشر دقايق... ورقم أمينة نور على الشاشة. أول ما ندى ردت، جالها صوت حماتها مليان تريقة واستهزاء:
— "إنتِ اتجننتي يا بت؟! هتبلغي الشرطة وتعملي محضر في أهل جوزك؟ ده الناس هتاكل وشكم وتضحك عليكم!"
ندى ردت ببرود يفرس:
— "أنا مش هبلغ عن أهلي يا طنط... أنا هعمل محضر في أي حد مد إيده ودخل بيتي وشال حاجتي من غير إذني. قدامك أسبوع يا طنط أمينة، والأيام بتجري." حكايات منــال عـلـي 
صرخت أمينة بغل:
— "يا خسارة المعروف واللقمة اللي طفحتوها معانا! ده إحنا كنا بنعاملك زي بنتنا!"
ندى قفلت السكة في وشها من غير ما تزيد كلمة واحدة. هي خلاص خدت قرارها، ومبقاش عندها طاقة ولا خلق لِـ قيل وقال وجدال ملوش لازمة.
على بالليل... رجع أحمد البيت.
كان عمال يروح وييجي في الصالة زي المكوك، وتوتره وقلقه باينين في كل حركاته. وقف قدامها وزعق بعصبية:
— "إنتِ مستوعبة وبكامل عقلك وإنتِ بتعملي الكلام ده؟! شرطة ومحاضر وإجراءات؟! دول أبويا وأمي يا ندى!"
ندى بصتله بعين ثابتة وقالت:
— "وأنا مظلمتش حد يا أحمد، أنا برجع حقي المحطوط عندهم بس."
قالها بغضب أعمى:
— "هتفضحينا وتجرسيا قدام الناس!"
ابتسمت بسخرية وكسرة عين وقالتله:
— "الغريب والمضحك في الموضوع يا أحمد... إن كل اللي شاغل بالك وتفكيرك هو كلام الناس وفضيحتهم، مش اللي أهلك عملوه فيا وفي بيتي!"
سكت ومفتحش بقه، وهي ختمت كلامها بكلمتين:
— "قدامكم أسبوع."
عدت تلات أيام بالظبط... وفي الصبح، وقفت عربية ربع نقل صغيرة تحت العمارة.
العمال نزلوا وشالوا التلاجة وطلعوا بيها... وبعدها التلفزيون... والمكنسة... وحتى شنطة العدة والشنيور! كل حاجة رجعت مكانها في الشقة زي ما كانت.
أما حماها سيد... فكان واقف تحت العمارة عينه في الأرض، ومكسوف يرفع عينه في عين حد. وأمينة حماتها كانت واقفة في البلكونة بتبص من بعيد، ووشها كله غيظ وغل ومستغربة إزاي ندى قطمت رقبتهم كده.
ندى وقفت ومضت للعمال على استلام كل حاجة. ولما العمال حطوا التلاجة في مكانها على السيراميك الفاتح ووصلوها بالكهربا... رجع صوت موتور التلاجة يزن ويملأ المطبخ من تاني.
بس الحاجة الوحيدة اللي اتكسرت ومستحيل ترجع... هي الثقة!
بعدها قعدت مع أحمد قعدة تصفية حسابات. المرة دي مفيش خناق، ولا صوت عالي، ولا زعيق. هو كان قاعد بيكرر نفس الجملة بقلة حيلة:
— "معقولة تخربي بيتك وتعملي كل ده عشان شوية كراكيب وحاجات؟"
ندى هزت راسها وقالتله بهدوء:
— "لا يا أحمد... الحكاية عمرها ما كانت حكاية حاجات."
"الحكاية إني عشت مع راجل اتعود يشوفني لازم أدبح نفسي وأدي، وأسكت وأبلع الإهانة. الحاجات والأجهزة ممكن تشتري غيرها وترجع... إنما الاحترام لما بيضيع ويموت... عمره ما بيرجع تاني."
الطلاق خلص وتِم بسرعة وهدوء. أحمد لم هدومه وحاجته في شنط، وخد معاه صنارة الصيد القديمة بتاعته اللي كان بيحبها، ورجع يعيش في حضن أمه.
ولما باب الشقة اتقفل وراه... ندى خدت نفس عميق وطويل من قلبها، يمكن لأول مرة من سنين طويلة. حست فجأة إن الشقة بقت أوسع، منورة أكتر، وفيه راحة بال غريبة في الجو.
كأن اللي خرج من الباب دا مش بني آدم... كأن اللي خرج هو سنين تقيلة من الضغط، والسكوت، والإحساس بالذنب كل ما كانت تفكر تفتح بقها وتدافع عن حقها.
عدى شهر... وفي يوم وهي قاعدة، الموبايل رن. كانت أمينة حماتها السابقة!
بس المرة دي صوتها كان هادي وناعم بشكل غريب ومريب:
— "جرى إيه يا ندى يا حبيبتي... ما تصفي النية ونتصالح بقى؟ أحمد متبهدل ومتبهدل حاله من بعدك... وإحنا خلاص قلبنا أبيض ومش شايلين منك حاجة، مسيرنا كنا أهل في الآخر والدم مبيبقاش مية." حكايات منــال عـلـي 
ندى كانت واقفة قدام شباك المطبخ، والشمس داخلة منورة المكان كله، والتلاجة واقفة في مكانها الطبيعي وبتلمع. ابتسمت وهي بتبص لانعكاس وشها في زجاج الشباك، وقالت بكل برود وروقان:
— "لا يا طنط أمينة... إحنا عمرنا ما كنا أهل."
"أنا كنت واحدة هبلة وبتحاول تبني بيت، وانتوا كنتوا شايفين إن أي حاجة في البيت دا غنيمة ومن حقكم تمدوا إيدكم عليها. دلوقتي... كل حاجة رجعت لمكانها الصح... التلاجة رجعت مطبخي، وحياتي كمان رجعتلي."
وقلبت المكالمة وقفلت السكة.
رجع الهدوء يملأ الشقة وصوت السكوت مريح، ومفيش أي صوت غير زنة التلاجة وهي شغالة... صوت بسيط أوي، بس كان بالنسبة لندى مزيكا... صوت البداية الجديدة ونهاية الاستغلال.
بعد كام يوم... كانت بتنضف وتفرز درج قديم ومكركب، ولقت البروش الفالصو اللي أمينة كانت عاملة نفسها جيباهولها "من قلبها". مسكته في إيدها وضحكت من قلبها بسخرية. افتكرت لما شافته زمان فررش في العتبة في محل إكسسوارات رخيص... حجر بلاستيك ومعدن لونه جربان ومغير.
حطته تاني في العلبة وقفتلت عليه... مش عشان غالي وتحتفظ بيه، لأ... عشان كل ما عينه تيجي عليه، تفتكر إن السكوت على الغلط والتهاون في الحق تمنه غالي أوي من كرامة البني آدم.
وإن البيت اللي بقى كله ملكها وبتاعها ومحدش شريكها فيه... مفيش مخلوق هيجرؤ يمد إيده على قشاية فيه تاني... إلا بعد ما يخبط ويستأذن!
تمت

تم نسخ الرابط