هو ايه اللي علي عشا دا 1 بقلم منــال عــلي
الجزء الاول 👇🏼
هو إيه اللي على العشا ده؟ رز بس؟! فين الفراخ ولا حتة اللحمة؟!"
صوت حسام دَوّى في الصالة، وصوت المعلقة وهي بتخبط في حرف الطبق الأركوبال قطع سكون البيت فجأة، لدرجة إني حسيت جسمي كله اتشد واتكهرب.
اتنفضت من مكاني... بس مش من الخۏف ولا المفاجأة. حكايات منــال عـلـي
أنا اتنفضت من كتر التعب..
التعب اللي متكوم ومتخزن جوايا بقاله شهور، واللي خلاص جاب آخره وقرّب يفيض من عيني.
كان حسام، جوزي اللي دخل في الواحد وخمسين سنة، قاعد قدامي على السفرة وباصص لطبق الرز كأنه إهانة شخصية ومقامه كبر عليها.. كأنه مش طبق أكل نعمة ربنا، وكأن حد حاطط قدامه شوية قش!
قال وهو لوي بوزه ومكشر:
— هو إيه العك ده يا منال؟
رديت بنبرة هادية مېتة وأنا بغرف لنفسي في طبقي:
— رز بالشعرية... ومعاه شوية بطاطس محمرة وسلطة.
رمى المعلقة من إيده على السفرة وقال بضيق ونفخ:
— رز بشعرية وحبشتكانت بس؟! فين اللحمة؟! فين المناب بتاعي؟ أنا راجل شقيان وطول عمري مالي مركزي، مش هعيش على أكل العصافير والنواشف ده!
ورفع إيده في الهوا وكأنه واقف بيخطب في الموظفين بتوعه.
بصيتله أوي وبقيت أتأمله..
القميص اللي لابسه مكوي وزي الفل ومفيش فيه كسرة... أنا اللي واقفة على رجلي كويتهوله امبارح بالليل والجو حر.
وشه رايق، نايم شبعان نوم، ومريح.
مفيهوش ذرة قلق واحدة على بكرة.. ولا علامة تعب ولا شقا.
وفي اللحظة دي بالذات...
حاجة في أعماقي اتقسمت نصين..
بهدوء شديد... بس للأبد.
السوسته اللي كنت كبساها وضغطاها جوايا بقالي ست شهور انفلتت وضړبت في وشي مرة واحدة.
من ست شهور تقريبًا، حسام رجع من بره بدري عن ميعاده، داخل فاتح دراعاته والابتسامة من الودن للودن..
وقال بنبرة كله فخر وعنجهية:
— أنا قدمت استقالتي وسبت الشركة!
بصيتله واللقمة وقفت في زوري ومن صدمتي مكنتش عارفة أنطق.
قال وهو متحمس وعامل فيها بطل:
— خلاص بقا! أنا زهقت وقرفت! محدش هناك مقدر خبرتي ولا عارف قيمتي كمهندس كبير.. يخبطوا دماغهم في أجدع حيط. أنا اسمي لوحده براند، وأكيد هلاقي مية شركة تتمناني وتديني المرتب اللي يليق بيا.
وفي عينه كان فيه لمعة حماس وثقة عمتني وخلتني أصدقه وأقول معلش.
أول شهر، عشنا من مكافأة نهاية الخدمة والقرشين اللي طلع بيهم.
كان بيصحي الضهر، يقعد بالشرت قدام التلفزيون يقلب في القنوات ويتفرج على مسلسلات، ويقولي: "أنا محتاج هُدنة.. محتاج أريح أعصابي وأعمل ريستارت لحياتي بعد الطحن ده كله".
ما اعترضتش ولا فتحت بقي..
وقلت في بالي طبيعي، راجل في سنه ومنصبه ممكن يحتاج فرصة يراجع فيها حساباته. متوفره على روايات واقتباسات
الشهر التاني بدأ يدور على شغل.. بس من ورا قلبه، وبتناكة.
كل إعلان وظيفة أو إنترفيو يجيله، يطلع فيه القطط الفاطسة ويتحجج..
المرتب مش قد المقام وميفتحش بيت..
المكان بعيد في التجمع وأنا مش هقضي عمري في المواصلات والسواقة..
المواعيد متعبة ومفيش برستيج..
المدير اللي هيقعد معايا أصغر مني وشكله مستفز..
والشركة أصلاً مش من مستوايا!
لحد ما الشغلانة الوحيدة اللي بقا يقضي فيها وقته هي الشكوى الدائمة من أصحاب الشغل، ومن البلد، ومن الغلا والظروف.
على الشهر الرابع...
بقى أقصى مجهود بيعمله في يومه، إنه يفتح الـ CV بتاعه مرة كل أسبوع على اللاب توب، يغير سطر ولا يعدل كلمة..
أما شغله ووظيفته الحقيقية فكانت القعدة على الكنبة قدام شاشة التلفزيون..
يشتم في الحكومة..
ينظّر على مدربين الكورة ويحلل الماتشات..
ويتخانق مع المذيعين في البرامج الرياضية ويزعق فيهم كأنهم سامعينه وقاعدين معاه في الصالة!
وفي وسط الهيلمنتان ده كله... يدخل المطبخ يفتش في الحلل ويراجع ورايا أنا طبخت إيه ويوجه انتقادات!
وأنا؟
أنا كنت شايلة شيلة تهد جبال لوحدي..
مرتبّي البسيط من شغلي كمسؤولة حسابات وكاشير في السوبر ماركت الكبير اللي في أول الشارع، كان يا دوب بيروح في إيجار الشقة، وفواتير النور والمية، ومصاريف الأكل والشرب، وعلاج أمي الغالي.
اتعلمت إزاي أجري ورا العروض في المحلات..
وأحسب الجنيه وربع الجنيه قبل ما يطلع من جزي..
وإزاي بذكاء ست البيت أطلع طبخة تملى العين وتشبع من أقل الإمكانيات وأقل التكاليف.
بطلت أجيب لنفسي أي حاجة..
لا هدوم جديدة في العيد..
لا خروجة مع أصحابي..
ولا حتى إزازة زيت لشعري المقصف من الهم.
أما حسام... فكان عامل نفسه من بنها وكأنه مش واخد باله من حاجة خالص!
التلاجة في نظره بتتملي لوحدها بالبركة..
والبيت بيمشي بالسحر والقدرة الإلهية..
ولقب "راجل البيت" و"سي السيد" ماكانش محتاج عنده أي إثبات أو سعي.. ولا فعل.. ولا مسؤولية مادية.
النهارده وأنا بحط قدامه طبق الرز بالشعيرية ده...
حسيت بحمل وتقل على كتافي مش قادرة أشيله.. تعب بقا ليه صوت ومجهود مسموع في دماغي.
ومقدرتش أكتم في نفسي أكتر من كده..
قلت بصوت هادي وراسي:
— حسام... إنت فاكر آخر مرة دخلت فيها جنيه واحد البيت ده كانت إمتى؟
بصلي باستهجان واستغراب شديد.. كأني سألته سؤال ملوش معنى أو بغلط في جنابه..
وقال:
— جرى إيه يا منال؟ ما أنا بدور على شغل ليل نهار أهو! المشكلة إن السوق واقف ومفيش حاجة محترمة تناسب سني وقيمتي!
هزيت راسي بأسف..
وقلتله:
— بقالك ست شهور كاملين يا حسام... ست شهور مفيش مليم دخل جيبك ولا جيب البيت ده من سعيك.. فطبيعي جداً والوضع ده يبقى عشانا رز بالشعرية بس ونقول الحمد لله.
وابتسمت.. بس كانت ابتسامة مکسورة وكلها غُلب وإرهاق.
فتح بقه وعينه وسعت عشان يزعق ويرد عليا ويقلب الطاولة...
وفجأة...
سمعنا صوت رزع وخبطة جامدة في الصالة بره.
صوت حاجة تقيلة وقعت هدت السكون، خلانا إحنا الاثنين نلف وشنا بسرعة بړعب.
قلبي سقط في رجليا..
قمت جري من على السفرة أبص في الصالة..
واتجمدت في مكاني والدم هرب من عروقي.
أمي... كانت واقفة ساندة على باب الصالة.. حكايات منــال عـلـي
وشها كان أصفر ليمون وشاحب بشكل يخوف..
وإيديها بتترعش جامد ومش قادرة تقف على رجلها..
وكأنها كانت واقفة وسامعة كل كلمة وكل حرف اتقال بيني وبين جوزي وعرفت الحقيقة...
وفي اللحظة اللي عيني جت في عينها المکسورة...
حسيت إن المصېبة الكبيرة والۏجع الحقيقي لسه مجاش.. وإنه جاي في السكة!
وووووو يتبع..