هو ايه اللي علي عشا دا 2 بقلم منــال عــلي

لمحة نيوز

الجزء الثاني 👇🏼 
يا ماما!
قمت من مكاني مرة واحدة، وجريت عليها ولحقتها قبل ما تقع على الأرض.
— ماما! مالِك؟ إيه اللي حصل؟
لكن أمي ما ردتش.
كانت شفايفها بس بتتحرك بصعوبة وهي بتهمس بصوت يكاد ما يتسمعش:
— ما تتخانقوش... يا ولادي... ما تتخانقوش... حكايات منــال عـلـي 
وفجأة جسمها ارتخى بين إيديا.
وفي اللحظة دي حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
حسام جري علينا بسرعة.
ولأول مرة من شهور طويلة شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
مش خوف على نفسه...
خوف بجد.
اتصلنا بالإسعاف.
وكل حاجة بعد كده حصلت كأنها فيلم ضبابي.
المسعفين.
السرير المتحرك.
أصوات الأجهزة.
وكلام الدكتور السريع.
— الحمد لله... جلطة بسيطة، لكن لازم تتحجز في المستشفى فورًا.
هزيت راسي بالموافقة.
بس الحقيقة إني ما كنتش سامعة حاجة تقريبًا.
بعد ساعتين...
كنت قاعدة في ممر المستشفى البارد، ماسكة شنطة أمي الصغيرة في حضڼي.
وحسام واقف جنبي.
متوتر.
بيفتح ويقفل سلسلة المفاتيح في إيده كل شوية.
ساكت.
لحد ما كسرت الصمت وسألته:
— يا حسام... هنعمل إيه دلوقتي؟
بصلي باستغراب.
كملت: حكايات منــال عـلـي 
— علاج ماما هيكلف... والأدوية... وجلسات العلاج الطبيعي... والمصاريف اللي جاية.
اتنهد وقال بصوت مهزوز:
— ربنا يسهل... ممكن نستلف من حد.
ضحكت ضحكة قصيرة كلها ۏجع.
— من مين يا حسام؟
إحنا ماعندناش حد.
إنت أصلًا ما بتكلمش غير أصحابك بتوع جروبات الكورة على النت.
وسكت شوية قبل ما أكمل:
— إحنا عايشين يوم بيوم.
وأقسم بالله أنا مش متأكدة حتى هعرف أجيب لبن الأسبوع الجاي ولا لأ.
نزل عينيه للأرض.
وما ردش.
ريحة المطهرات كانت مالية المكان.
وفجأة حسيت إن رجليا مش شايلاني.
قعدت على الكرسي اللي في الممر.
وانهرت في العياط.
مش عياط ڠضب.
ولا عياط عصبية.
عياط واحد خلاص استنزف كل طاقته.
حسام قعد جنبي.
بتردد.
كأنه غريب عني.
وحط إيده على كتفي.
وقال بصوت واطي:
— اسمعي يا أمل...
أعتقد إني فعلًا ضيعت نفسي.
بصيتله من غير كلام.
كمل:
— كنت فاكر إن كل حاجة هتتحل لوحدها.
وإن من حقي أرتاح بعد السنين اللي اشتغلتها.
لكن دلوقتي فهمت إني ما خسرتش شغلي بس...
أنا خسړت نفسي.
سمعته للآخر.
ومن الغريب...
إني لأول مرة من شهور ما حسيتش پغضب.
حسيت بفراغ.
فراغ كبير.


لكن جوه الفراغ ده بدأت حاجة جديدة تتولد.
إصرار.
إصرار بارد وقوي.
قلت بهدوء:
— لازم نغيّر حياتنا يا حسام.
وإلا هنضيع.
كعيلة...
وكبشر.
بعد أسبوع واحد بس...
بدأت أشتغل فترة مسائية في صيدلية قريبة من البيت.
كنت بساعد في الورق والحسابات بعد شغلي الأساسي.
أما حسام...
فلأول مرة من شهور طويلة صحي بجد.
بقى يصحى بدري.
من غير تذمر.
ومن غير شكاوى.
وراح يدور على أي شغل متاح.
وفي الآخر اشتغل في مخزن كبير تابع لشركة توزيع.
الشغل كان متعب.
وشاق.
ومش بالمكانة اللي كان بيتخيلها لنفسه.
لكن كان شغل حقيقي.
وراتب حقيقي.
ومسؤولية حقيقية.
كنت عارفة إنه بيتعب.
بس كان مستحمل.
لأن المرة دي فاهم ليه بيشتغل.
عدت أسابيع.
وأمي رجعت البيت.
لسه ضعيفة شوية.
لكن الابتسامة رجعت لوشها.
أما حسام...
فكان بيرجع كل يوم مرهق.
لكن بنظرة مختلفة.
نظرة راجل افتكر من جديد إنه جزء من عيلة.
وإن فيه ناس معتمدة عليه.
وفي يوم قعدنا نتعشى.
نفس الأكل البسيط.
رز بالشعيرية مع صوص الجزر والبصل.
بس المرة دي...
ماحدش اشتكى.
وأنا بحطله طبق الشوربة قدامه ابتسمت وقلت:
— مش لحمة برضه... بس طعمه حلو.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهز راسه.
وقال وهو باصص للطبق:
— عارفة يا أمل؟
دلوقتي فهمت حاجة مهمة.
لما تشوفي حد شايل الدنيا كلها فوق كتافه كل يوم...
ما بيبقاش عندك نفس تطلب لحمة.
بيبقى نفسك بس تساعده يشيل الحمل.
بصيتله.
ولأول مرة من ست شهور كاملة...
حسيت بدفا حقيقي ناحيته.
كان بخار الأكل طالع بهدوء من الأطباق.
وشمس المغرب بتدخل من الشباك.
والبيت كله ساكت.
بس مش السكات التقيل اللي مليان زعل وخصام.
لأ...
سكات خفيف.
زي استراحة قصيرة قبل بداية جديدة.
وساعتها فهمت إن ساعات الرجوع للحياة مش محتاج معجزات.
محتاج بس إن الإنسان يبلع كبرياءه...
ويبدأ من جديد.
حتى لو العشا مافهوش لحمة.
تمت.

تم نسخ الرابط