مراتي بقت عاملة زي برميل الطرشي ج 4 والاخير حكايات منــال عـلـي
الجزء الرابع والأخير:
جملة "بس.." دي نزلت على وداني زي صفارة إنذار غطت على كل الأصوات اللي حواليا. حسيت إن الأرض بتميل بيا، والحيطان بتلف. مسكت في كتف الدكتور من غير ما أحس، وصوتي طلع مبحوح ومخنوق:
ـ "بس إيه يا دكتور؟ أرجوك طمني.. هند جرى لها حاجة؟" حكايات منــال عـلـي
الدكتور حط إيده على كتفي وهز رأسه بسرعة عشان يلحق يطمني لما شاف وشي اتقلب ألوان:
ـ "اهدى يا أحمد، اهدى يا حبيبي.. الحمد لله مدام هند بخير والعملية نجحت تماماً والورم اتشال كله.. 'بس' اللي بقولها دي عشان أفهمك إنها هتقعد في العناية المركزة تحت الملاحظة لمدة 48 ساعة. ده إجراء روتيني في عمليات المخ والأعصاب عشان نطمن إن مفيش أي مضاعفات أو نزيف، ومفيش أي قلق إن شاء الله."
أنا في اللحظة دي حسيت إن روحي ردت فيا تاني. أخدت نفس طويل لدرجة إن ضلوعي وجعتني، ودموعي نزلت من كتر الارتياح. قعدت على أقرب كرسي في الطرقة وحطيت وشي بين إيديا وبقيت أشكر ربنا بصوت مسموع:
ـ "الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. شكرك يا رب." متوفره على روايات واقتباسات
الساعتين بتوع العناية كانوا بيمروا عليا كأنهم سنين. مكنتش بدوق النوم، وقاعد على الكرسي قدام باب العناية المركزة، وكل ما ممرضة تخرج أوقفها وأسألها عن حالتها. كانوا بيسمحوا لي أدخل أشوفها دقيقة واحدة كل كام ساعة.
كانت نايمة، حواليها أجهزة كتير وخراطيم، وراسها ملفوفة بالشاش الأبيض. منظرها كان يوجع القلب، بس المرة دي كنت ببص لها بحب ملوش آخر، كنت شايفها البطلة اللي حاربت المرض وانتصرت عليه. كنت بأقعد جمبها، أمسك إيدها الدافية وبوسها وأهمس في ودنها:
ـ "شدي حيلك يا هند.. البيت مستنيكي.. وأنا مستنيكي."
في اليوم الثالث، الدكتور طمنا ونقلوها أوضة عادية. أول ما فتحت عينيها وبصت لي، ابتسمت ابتسامة خفيفة وصوتها كان طالع بالعافية:
ـ "أحمد.. أنا شفتك وإنت بتعيط بره."
ضحكت وسط دموعي وقلت لها وأنا بمسح على راسها براحة:
ـ "فضحتيني يا ستي.. المهم إنتي حاسة بإيه دلوقتي؟"
ـ "حاسة إن دماغي خفيفة.. كأن كان فيه صخرة كبسة على نفسي وانزاحت.. أنا شامة الهوا يا أحمد.. شامة الهوا بجد."
الدكتور دخل وشاف علاماتها الحيوية وقال لنا بابتسامة واسعة:
ـ "مبروك يا أبطال.. الرحلة الصعبة عدت. من هنا ورايح، الهرمونات هترجع تظبط بالتدريج، والشره المرضي والجوع الوهمي ده هيختفوا تماماً.. إنتي رجعتي لحياتك الطبيعية يا مدام هند."
بعد أسبوع في المستشفى، رجعنا البيت. أول ما دخلنا من باب الشقة، هند وقفت في الصالة وبصت للمكان ودموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وبداية جديدة.
ـ "مش مصدقة إني رجعت هنا وأنا واقفة على رجلي ومفيش حاجة مخبياها عليك يا أحمد."
ـ "البيت نور يا قلب أحمد.. ومن النهارده، مفيش خبي، ومفيش زعل، ومفيش ضعف.. إحنا هنبدأ من الصفر."
الشهور اللي بعد كده كانت عبارة عن معجزة بنشوفها بعنينا كل يوم. الوزن اللي كان بيزيد من أقل حاجة، بدأ ينزل لوحده وبسرعة مع الالتزام بالأكل الصحي اللي بقيت أعمله لها بكل حب. الحركة بقت خفيفة، والضحكة اللي كانت غايبة بقالها سنين رجعت تملى الشقة من تاني.
مبقاش فيه جوع وهستيريا أكل، بقت بتاكل عشان تعيش، مش بتعيش عشان تاكل. الاكتئاب والهم اللي كانوا مغطيين وشها اتبخروا، ورجعت هند الخفيفة، المتفائلة، اللي بتهتم بنفسها وبتتحرك في البيت زي الفراشة.
مرت سنة كاملة على اليوم الصعب ده. سنة اتغيرنا فيها إحنا الاتنين.. أنا اتعلمت يعني إيه مشاركة ويعني إيه مشوفش الظاهر بس وأظلم شريكة عمري، وهي استردت صحتها وثقتها في نفسها.
في ليلة، كنت راجع من الشغل تعبان ومضغوط من طحن الشغل. فتحت باب الشقة، شميت ريحة أكل بيتي تجنن.. ريحة ملوخية وفراخ محمرة في الفرن.
دخلت المطبخ، لقيتها واقفة بكل خفة، لابة المريلة، ووشها منور وفيه حيوية وسعادة عمري ما شفتها. أول ما شافتني، جريت عليا وحضنتني وفتحت إيدها وهي بتلف حوالين نفسها:
ـ "بص يا أحمد! الفستان ده أنا كنت شرياه من خمس سنين ومكنش بيدخل فيا.. النهارده قفل وبقى واسع عليا كمان!"
بصيت لها ب انبهار.. كانت زي القمر، مالية عيني وقلبي وروحي، ومبقاش فيه أي مكان لأي فكرة وحشة في دماغي. مسكت إيديها وقلت لها من كل قلبي:
ـ "إنتي طول عمرك زي القمر في عيني يا هند.. بس النهارده إنتي أحلى ست شفتها في حياتي."
طلعت من جيبها ورقة صغيرة مروحة، وقدمتها لي وإيدها بتترعش من الفرحة:
ـ "طب شوف دي كمان.. دي لسه مستلماها من معامل التحاليل النهارده."
فتحت الورقة، وبقيت أقرا.. مكنتش تحاليل للغدة دي المرة دي.. ده كان تحليل حمل، والنتيجة: "إيجابي".
بصيت للورقة وبصيت لها، ومبقتش مصدق نفسي. شلتها ولفيت بيها في وسط الصالة وإحنا بنضحك وبنعيط في نفس الوقت. الكابوس انتهى تماماً، وربنا عوض صبرنا وخوفنا على بعض بأجمل هدية في الدنيا.
بقيت أبص لها وأفتكر ليلة ما كنت داخل البيت وأنا ناوي أطلقها وأقول إنها "برميل طرشي"، وأحمد ربنا ألف مرة إن الباب مكنش مقفول، وإني سمعت صوتها وهي بتعيط.. الحمد لله إننا مسبناش الشيطان يغلبنا، وإن الحب والصبر كانوا أقوى من أي مرض.