قفلت المكالمة... لكن صوت إنهاء الاتصال ماجاش. ج1 حكايات منــال عـلـي
الجزء الاول 👇🏼
قفلت المكالمة... لكن صوت إنهاء الاتصال ماجاش. وفي اللحظة اللي الصدفة قررت فيها تكشفلي حقيقة ماكنتش المفروض أسمعها... حياتي اتقسمت نصين.
فردوس عدلت ضهرها بالعافية وهي بتحط إيديها على وسطها اللي بقى بيوجعها من كتر الشقا.
حكايات منــال عـلـي
كان الفجر لسه بينور على استحياء في قرية صغيرة من قرى الفيوم، والجو مليان ريحة الأرض المبلولة والندى اللي مغطي الزرع.
الساعة كانت ستة ونص الصبح...
ورغم كده كانت خلاص حلبت الجاموستين، وربطتهم في الغيط، ولمّت العلف، ونضفت الحظيرة، ولسه قدامها شغل كتير. متوفره على روايات واقتباسات
فردوس عندها خمسة وتلاتين سنة.
في البلد كلها مفيش حد ميعرفهاش.
يقولوا عليها:
"ست بمية راجل."
عنيدة... قوية... وصبورة بشكل يخليك تحس إن الأرض نفسها هي اللي ربتها.
كانت ماسكة بيت وغيط وحظيرة لوحدها.
جاموستين... كام رأس غنم... شوية بط... وفراخ ماليين المكان، وكل يوم واحدة منهم تقرر تهرب لجناين الجيران، فتجري وراها وهي بتضحك وتزعق في نفس الوقت.
وأهل البلد كانوا يهزروا معاها ويقولولها:
ـ "والله يا فردوس... لو سيبتي البلد يوم واحد، الريف كله هيبقى فاضي."
وعمرها ما اشتكت...
ولا مرة.
الحياة علمتها إن مفيش حد هيسندها غير إيديها اللي نشفت من الشغل.
كل حلمها كان في بنتها الوحيدة "مريم".
كانت نفسها تدخل جامعة في القاهرة، وتعيش حياة أحسن، ومتتحرجش إنها جاية من قرية.
أما جوزها...
فكان مجرد ذكرى.
من عشر سنين قال إنه مسافر يشتغل في الخليج...
ومن يومها اختفى.
لا رجع...
ولا حتى سأل.
عيطت عليه كام يوم...
وبعدين مسحت دموعها بطرف الطرحة، وشمرت كمها، ونزلت تكمل شغلها.
بيت فردوس كان مثال للنظام.
المخزن مليان برطمانات مخلل، وصلصة، وسمنة بلدي، ومربى، وكل حاجة مترتبة كأنها مخزن جيش.
أي حد يدخل بيتها يعرف إنها ست بتحب النظام وبتعرف تدبر أمورها.
وكلمة فردوس في البلد كانت تتوزن بالدهب.
لكن أختها الصغيرة "نجلاء"...
كانت العكس تمامًا.
ساكنة في آخر البلد، في بيت أمهم الله يرحمها.
معاها بنتين توأم...
"ندى" و"نور".
وجوزها "سيد"...
راجل كسول من النوع اللي يختفي أول ما الشغل يظهر... ويظهر أول ما الأكل يتحط على السفرة.
أما نجلاء...
فكانت تعرف تشتكي أكتر ما تعرف تشتغل.
ولو احتاجت حاجة...
تعرف تدخل لك من باب الكلام الحلو.
كل شوية تيجي عند أختها وهي عاملة نفسها مخنوقة.
وتقول:
ـ "يا نهار أبيض يا فردوس... إنتِ إزاي عايشة وسط البهايم دي؟! ريحتك كلها تبن وعلف! الست لازم تهتم بنفسها... مش تعيش زي الفلاحين كده."
فردوس كانت تبتسم وتسكت.
عارفة إن أختها طول عمرها مدلعة.
لكن قلبها كان بيتوجع على البنتين.
هدومهم دايمًا قديمة...
وجسمهم رفيع...
وأول ما يشموا ريحة الطبيخ في بيت خالتهم، عيونهم تلمع من الفرحة.
وزيارات نجلاء...
كانت ليها نهاية محفوظة.
تقول وهي مكسوفة تمثيل:
ـ "هو... عندك شوية رز؟ ولا مكرونة؟ أصل المعاش خلص، والبنات نفسهم ياكلوا حاجة عدلة... والله هرجعهملك أول ما ربنا يفرجها."
وفردوس كانت عارفة إنها عمرها ما هترجع حاجة.
لكن كانت تدخل المخزن...
وتطلع رز...
وسكر...
وزيت...
وجبنة...
ولبن...
ولحمة متخزنة...
وتديهم كل اللي يحتاجوه.
وتبص للبنتين وهما فرحانين...
وتقول في نفسها:
"دول دمي... وربنا هيعوضني."
وكانت مقتنعة إنها بتعمل الصح.
لحد ما حصل اللي قلب حياتها كلها.
في يوم...
جه للبلد مهندس اسمه "كريم".
كان جاي يشرف على تطوير محطة مياه قريبة من القرية.
راجل هادي...
محترم...
وابن ناس.
أول ما شاف فردوس وهي بتشتغل من الفجر لليل بإيديها...
انبهر بقوتها.
ومع الوقت...
طلب إيدها للجواز.
البلد كلها اتكلمت.
إزاي مهندس من القاهرة يتجوز فلاحة من الريف؟
لكن كريم كان شايف فيها حاجة محدش غيره شافها.
وبعد الجواز... حكايات منــال عـلـي
خدها تعيش معاه في القاهرة.
في الأول كانت كل يوم تصحى الساعة أربعة الفجر مفزوعة...
وتقول:
"يا ساتر... الجاموس لسه ما اتحلبش!"
وبعدين تفتكر إنها بقت في شقة.
وتضحك على نفسها.
أما بيتها في البلد...
فما باعتوش.
قفلت الشبابيك...
وحطت أقفال جديدة...
وقالت يمكن يوم أرجعله.
أما نجلاء...
فكانت كل أسبوع تتصل بيها.
تحكيلها عن الأسعار...
وعن مشاكلها...
وتشتكيلها من الدنيا...
وفردوس تفضل تبعت هدايا للبنتين، وفلوس كل فترة.
لحد الليلة دي...
ليلة المطر.
كانت فردوس واقفة في المطبخ بتعمل كوباية كاكاو.
وسمعت في الأخبار إن الهوا شديد في الفيوم.
فمسكت الموبايل واتصلت بأختها.
وقالت بابتسامة:
ـ "إزيك يا نجلاء؟ بصي بس على بيتي لو سمحتي... شوفي الأقفال كويسة ولا لأ. بيقولوا الهوا قلع شجر كتير."
نجلاء ردت بنبرة تقيلة:
ـ "حاضر... هبقى أبص. أصل سيد تعبان بقاله يومين."
فردوس قالت بحب:
ـ "ربنا يشفيه... وسلميلي على ندى ونور. مريم اشترتلهم حلويات وهبعتها أول ما حد ينزل البلد."
قفلت المكالمة...
وحطت الموبايل على الرخامة.
لكن الشاشة...
ما طفتش.
وفجأة...
سمعت صوت نجلاء وهي بتضحك بسخرية وتقول:
ـ "يا شيخة دي فردوس اتصلت من القاهرة! عايزاني أروح أبص على الأقفال! هو أنا فاضية لها؟ ما تيجي هي بنفسها يا هانم! قاعدة في التكييف، وسايباني أغرق هنا في التراب والطين! بكرة أقولها كله تمام... وخلاص."
سكتت فجأة...
واضح إنها أخدت بالها إن المكالمة لسه مفتوحة.
وجالها صوت قفل الخط.
أما فردوس...
ففضلت واقفة مكانها.
المعلقة وقعت من إيديها...
والكاكاو فار على النار...
وهي...
ماحستش بأي حاجة.
كانت أول مرة تكتشف...
إن أقرب الناس لقلبها...
مكنوش شايلين لها في قلبهم غير الغل.
يتبع... 👇