إسمها روح ج 1 حكايات منــال عـلـي
الجزء الأول 👇🏼
"البنت دي محدش بيسأل عليها... أصل كلهم مقتنعين إنها ممكن تموت في أي ليلة."
دي أول جملة سمعتها وأنا قاعدة مستنية دوري في دار رعاية الأطفال، وماسكة ملف أزرق في حضني، وقلبي كان هيطلع من مكانه. حكايات منــال عـلـي
أنا أصلاً كنت رايحة أسأل بس على موضوع الكفالة... إيه الورق المطلوب؟ والإجراءات ماشية إزاي؟ وهستنى قد إيه؟ كنت فاكرة إن كل حاجة بتمشي بالورقة والقلم.
لقيت اتنين ممرضات واقفين جنب كولدير الميه بيتكلموا، ومفكرين إن محدش سامعهم.
واحدة قالت:
— هي البنت اللي في الحضانة رقم ٣ لسه موجودة؟
التانية ردت:
— أيوه... ولسه محدش رضي يكفلها. الناس أول ما تعرف إن عندها مشكلة كبيرة في القلب، بتخاف. يا عيني... دي حتى ملهاش اسم.
الكلام نزل عليا زي التلج.
قمت من مكاني على طول وقلت:
— معلش... هي مين البنت دي؟
الاتنين سكتوا مرة واحدة.
واحدة بصت في الأرض، والتانية قالت وهي متضايقة:
— يا مدام... الموضوع ده مش بتاع حضرتك.
متوفره علي روايات واقتباسات
قولتلها:
— يعني... هي ملهاش حد خالص؟
ولا واحدة ردت.
وسكوتهم كان أبلغ من أي كلام.
أنا اسمي مريم، عندي ٣٨ سنة، مطلقة، وربنا ما كتبليش أخلف بعد مرتين حمل انتهوا بالإجهاض. وعندي أوضة في شقتي بقالها سنين مجهزاها لطفل... بس الطفل ده عمره ما جه.
روحت دار الرعاية وأنا بخاف أحلم.
لكن خرجت من هناك، وقلبي كله اتعلق ببنت صغيرة... وأنا لسه حتى ما شيلتهاش. حكايات منــال عـلـي
بعد شوية طلعتلي الأخصائية الاجتماعية.
قالت:
— انتي اللي سألتي على أصغر طفلة عندنا؟
قولتلها من غير تفكير:
— أيوه... عايزة أشوفها.
قالت وهي بتتنهد:
— بصي... حالتها صعبة. عندها ست شهور، وعندها عيب خلقي خطير في القلب. أهلها سابوها في المستشفى أول ما اتولدت، ومن يومها محدش جه سأل عنها.
سألتها:
— اسمها إيه؟
ردت:
— الحقيقة... لسه ملهاش اسم رسمي.
اتخنقت من جوايا وقلت:
— طب بتنادوها بإيه؟
قالت:
— الطفلة اللي في الحضانة رقم ٣.
الكلمة وجعتني أوي.
إزاي بني آدمة تعيش ست شهور من غير حتى اسم؟
قولتلها من غير ما أفكر:
— خديني عندها.
كملنا نمشي لحد ما دخلنا حضانة الأطفال.
أول حاجة سمعتها كانت صوت الأجهزة.
بيب...
بيب...
بيب...
وبعدين شفتها...
يا دوب جسمها قد كف الإيد.
رغم إن عندها ست شهور، كانت صغيرة أوي، كأنها لسه مولودة.
لابسة طاقية بيضا، وفيه أنبوبة تغذية لازقة على خدها، وإيديها الصغيرين مقفولين على بعض، كأنها ماسكة في الدنيا بإيديها ومش عايزة تسيبها.
قربت من السرير براحة.
الممرضة قالتلي:
— لو سمحتي... بلاش تلمسيها.
هزيت راسي ووقفت أبصلها من بعيد.
وفجأة...
فتحت عينيها.
عيونها كانت واسعة وسودة، وهادية بطريقة غريبة.
بصتلي كام ثانية...
وبعدين عملت ابتسامة صغيرة أوي...
ابتسامة بالكاد باينة...
لكن بالنسبة لي كانت بالدنيا كلها.
في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقع.
كأن البنت دي كانت مستنياني.
همست من غير ما أحس:
— اسمك "روح".
الأخصائية قالت بسرعة:
— يا مدام... مينفعش تسميها دلوقتي.
بصيتلها وقلت:
— أنا مش بكلمك عن الورق... أنا بكلم عن البنت دي.
هي اسمها روح...
لأنها رغم كل اللي فيها، لسه فيها روح متمسكة بالحياة.
فضلت واقفة جنبها شوية، مش عارفة أعمل حاجة غير إني أبصلها.
كل شوية كانت تفتح عينيها وتبصلي، وأنا كنت حاسة إنها بتقولي: "متسيبنيش."
قبل ما أمشي، وقفت جنب سريرها وقلت بصوت واطي:
— والله هرجعلك بكرة.
رجعت البيت، لكن جسمي كان هناك... جنبها.
دخلت أوضة الأطفال اللي مقفولة بقالها سنين. متوفره على روايات واقتباسات
فتحت الدولاب.
طلعت البطاطين الصغيرة اللي كنت شرياها من زمان، وكل مرة أخبيها عشان متوجعنيش.
طلعت شوية هدوم أطفال جديدة عمرها ما اتلبست.
وقعدت على السرير أعيط.
بعدها جبت كشكول جديد، وكتبت على أول صفحة:
"حاجات روح."
كنت كل شوية أكتب أي حاجة محتاجاها...
حفاضات...
ببرونة...
بطانية...
هدوم...
وأكتب جنبهم:
"لما تيجي البيت."
رغم إني مكنتش عارفة أصلاً إذا كانت هتيجي ولا لأ.
أنا مكنتش بفهم حاجة في أمراض القلب.
ولا الأجهزة.
ولا الأكسجين.
ولا العمليات.
لكن كنت فاهمة حاجة واحدة...
إن البنت دي مينفعش تفضل عايشة من غير حد يحبها.
تاني يوم صحيت بدري جدًا.
اشتريت حفاضات، وبطانية صفرا صغيرة، ولعبة قماش ناعمة.
وأنا داخلة الدار، كنت برتعش.
أول ما الدكتور شافني، وقف قدامي وقال:
— قبل ما تتعلقي بيها أكتر... لازم تكوني عارفة إن حالتها خطيرة جدًا، وممكن قلبها يقف في أي وقت.
حضنت الشنطة اللي في إيدي جامد.
وقبل ما أرد...
سمعت صوت عياطها.
كان عياط ضعيف...
بس كان كله وجع.
وفي اللحظة دي...
عرفت إن خلاص...
مبقاش عندي استعداد أسيبها وأمشي.
يتبع...