دي فلوسي أنا ج3 حكايات منــال عـلـي
الجزء الثلث والأخير
الكلمة نزلت في الصالة كأنها صفعة.
حماتها فتحت عينيها بصدمة، وكريم فضل واقف يبص لسارة، كأنه لأول مرة يشوفها بالشخصية دي.
أما سارة...
فكانت هادية.
هادية بطريقة خلتهم هما الاتنين يتوتروا.
حماتها رجعت ابتسامتها المصطنعة وقالت وهي تقعد على الكنبة كأنها صاحبة البيت:
— يا بنتي... أنا أكبر منك، وفاهمة الدنيا أكتر منك. الفلوس دي لو فضلت معاكي هتتصرف حتة حتة، لكن عندي هتكبر.
سارة راحت المطبخ، صبت لكل واحد كوباية عصير، وحطت واحدة قدام حماتها.
— اشربي الأول يا طنط.
الست ابتسمت وهي فاكرة إن سارة بدأت تلين.
لكن أول ما قعدت، سارة طلعت ملف أزرق من درج السفرة، وحطته قدام كريم.
— إيه ده؟
— افتحه.
فتح الملف باستغراب.
جواه شوية أوراق مطبوعة، وإيصالات، وكشف حساب.
قلب أول ورقة...
وبعدين التانية...
وبعدين وشه اتغير.
— إيه ده؟
سارة ردت بهدوء:
— ده كشف بكل مرة حضرتك أخدتوا فيها فلوس مننا، أو من فلوس عمر، أو من التحويش بتاع البيت.
حماتها ضحكت بسخرية.
— يعني كنتِ بتعدّي عليا؟
— لأ... كنت بعدّي على فلوسي.
سكتت ثانية، وبعدين كملت:
— أول مرة... خمسة وأربعين ألف جنيه... قولتي هيتحوشوا لعمر عشان أول لابتوب.
بصت ناحية حماتها.
— وبعدها بشهرين نزلتي صورك بالفروة الجديدة.
حماتها حاولت تقاطعها.
— دي كانت...
لكن سارة كملت من غير ما تديها فرصة.
— تاني مرة... عشرين ألف... قولتي هتساعدينا نجهز أوضة عمر.
رفعت ورقة تانية.
— وبعدها بشهر عملتي الصوبة الكبيرة في الاستراحة.
كريم بدأ يبص لأمه.
أول مرة يبصلها بالشكل ده.
وسارة طلعت آخر ورقة.
— وآخر مرة... خمسة عشر ألف جنيه... قولتي هتدفعي مقدم عربية لعمر لما يكبر.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— وبعدها بأسبوع كنتِ في اليونان.
الصالة سكتت تمامًا.
حتى صوت التكييف بقى مسموع.
حماتها بصت لكريم بسرعة.
حكايات منــال عـلـي
— ما تسيبهاش تهين أمك بالطريقة دي!
لكن كريم ما ردش.
كان بيقلب في الورق.
ورقة... ورا ورقة.
وتاريخ... ورا تاريخ.
وأرقام هو بنفسه كان ناسيها.
فجأة رفع رأسه.
— الكلام ده... كله صحيح يا أمي؟
الست ارتبكت.
— يا ابني... الدنيا ظروف... وأنا كنت هرجعهم.
— إمتى؟
سكتت.
— إمتى يا أمي؟
وبرضه سكتت.
سارة قامت من مكانها، وراحت أوضة عمر.
رجعت بعد دقيقة، وهي شايلة ابنها اللي كان لسه صاحي وبيفرك في عينيه.
حضنته وباسته.
وقالت وهي بتبص لكريم:
— ده اللي أنا بتعب عشانه.
بصت لابنها بحنان.
— كل ساعة إضافية اشتغلتها كانت عشانه.
كل ليلة سهرت فيها كانت عشانه.
كل مرة رجعت البيت تعبانة ومكسورة كانت عشانه.
رفعت عينيها ناحية كريم.
— مش عشان حد ياخد تعبي بكلمة: "سيبيها معايا."
عمر مد إيده الصغيرة مسك وش أمه.
فضحكت لأول مرة من أول الخناقة.
أما كريم...
فحس بغصة في قلبه.
افتكر كام مرة رجع البيت، لقاها نايمة على اللابتوب من التعب.
افتكر إنها كانت بتصحى قبل الفجر تخلص شغل.
وافتكر إنه عمره ما سألها كانت مستحملة ده كله إزاي.
كل اللي كان بيعمله...
إنه يقول:
"أمي قالت..."
قام من مكانه ببطء.
وقفل الملف.
وبص لأمه.
— معلش يا أمي...
الفلوس دي مش هتخرج من البيت.
وشها احمر.
— يعني صدقت مراتك؟
— لا...
سكت لحظة.
— صدقت الورق.
وقبل ما ترد، كمل:
— ومن النهارده... أي قرار يخص فلوسي أو فلوس سارة... هيكون بيني وبينها وبس.
حماتها قامت بعصبية.
— يعني مراتك فرقت بيني وبينك!
كريم هز رأسه.
— اللي فرق بينا... إنك كل مرة كنتِ تخليني أطلب من مراتي حق مش حقي.
مسكت شنطتها بسرعة.
— خلاص... أنا عرفت قيمتي عندكم.
سارة ردت بهدوء شديد:
— قيمتك محفوظة يا طنط... لكن حقوقنا كمان محفوظة.
بصتلها الست نظرة طويلة...
وخرجت وهي تقفل الباب وراها بعنف.
الصمت رجع يملأ الشقة.
كريم فضل واقف مكانه شوية.
وبعدين قرب من سارة.
وقال بصوت واطي:
— أنا ظلمتك.
دموعها لمعت.
لكنها ما اتكلمتش.
— كل مرة كنت بطلب منك تتنازلي... وأنا فاكر إني بحافظ على رضا أمي.
تنهد.
— ونسيت أحافظ على حقك إنتِ.
سارة ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— الاعتذار حلو يا كريم...
بس الأجمل منه إنه ما يتكررش.
هز رأسه.
— أوعدك.
بعد أسبوع...
اتسدد آخر قسط في الشقة.
وفي نفس اليوم، وصلت الغسالة الجديدة.
كانت سارة واقفة تضحك وهي بتشغل أول غسلة.
وكريم واقف جنبها، بيصور عمر وهو بيزغرد بطريقته الطفولية قدام الغسالة الجديدة.
الموبايل رن.
كان رقم حماته.
بص كريم للشاشة...
وبعدين بص لسارة.
ابتسم.
وقفل الرنة.
وقال وهو يحط إيده في إيدها:
— من النهارده... مفيش حد هيقرر في بيتنا غيرنا إحنا الاتنين.
ضحكت سارة من قلبها.
الضحكة اللي كانت مستنياها من يوم ما نزلت الجايزة.
وساعتها بس...
حست إن أكبر مكافأة خدتها ما كانتش الفلوس...
أكبر مكافأة كانت إنها أخيرًا اتعلمت تقول كلمة واحدة في وقتها...
"لأ."
ومن ساعتها، الغريب فعلًا، إن حماتها بطلت تمد إيديها على فلوسهم.
لأنها فهمت أخيرًا...
إن البيت اللي فيه زوج وزوجة واقفين في ضهر بعض، مفيش حد يقدر يدخل بينهم، ولا يفرض عليهم قرار، ولا ياخد حق مش من حقه... مهما كانت صلة القرابة.
تمت