بعد 12 سنة خدمة في بيت العيلة..ج2حكايات منــال عـلـي
الجزء الثاني
فتحت حماتي الباب بعنف، وبصتلي من فوق لتحت، وقالت وهي بتكز على سنانها:
حكايات منــال عـلـي
"يعني من النهارده هتبطلي خدمة؟... طيب استني لما أبو أحمد يرجع، وساعتها هنعرف مين اللي هيمشي كلامه في البيت ده."
أنا لأول مرة ما نزلتش عيني في الأرض.
مسكت الروشتة من على الكومودينو وقلت بهدوء:
متوفره على روايات واقتباسات
"الدكتور منعني يا ماما... وأنا والله مش بتمارض."
ضحكت بسخرية وهي تلف وشها:
"الدكاترة دول بيكتبوا أي كلام... هو يعني قالك متشتغليش؟"
مديت لها الروشتة.
بصت فيها ثانيتين... ورمتها على الترابيزة.
"ورقة مالهاش لازمة."
الكلمة وجعتني أكتر من وجع ضهري.
في اللحظة دي، ابني الصغير جري استخبى ورايا، وقال بصوت واطي:
"ماما... إنتي هتعيطي؟"
نزلت لمست على شعره وابتسمت بالعافية.
"لا يا حبيبي... ماما كويسة."
لكن الحقيقة...
أنا كنت مكسورة.
حكايات منــال عـلـي
بعد شوية سمعت صوت باب الشقة الخارجية بيتفتح.
جوزي رجع من الشغل.
أول ما دخل، حماتي سبقته بالكلام.
"شوف مراتك... من الصبح رافضة تطلع السطح، ولا ترضي تساعد في حاجة."
بصلي باستغراب.
"ليه يا ريم؟"
اتنفست ببطء وقلت:
"وريتك كلام الدكتور... مش قادرة أشيل تاني."
قبل ما يكمل كلامه، حماتي قاطعته.
"إحنا بقالنا سنين بنشتغل، وماحدش اشتكى... هي بس دلع."
وسلفتي، اللي كانت قاعدة طول الوقت ماسكة الموبايل، رفعت عينها وقالت بابتسامة مستفزة:
"أنا لو مكانها كنت استحملت شوية... أصل خدمة الكبير بركة."
بصيت لها، ولساني كان نفسه يرد.
لكن افتكرت كل مرة طلعت فيها السطح وهي قاعدة تتفرج.
افتكرت كل سجادة شيلتها لوحدي.
كل بطانية.
كل جردل مية.
كل مرة كنت أقول:
"معلش."
المرة دي...
لساني رفض يقولها.
بصيت لجوزي وقلت لأول مرة من غير خوف:
"أنا خدمت البيت ده اتناشر سنة."
"شيلت كل حاجة، وأنا حامل، وأنا تعبانة، وأنا عندي عيال."
"دلوقتي جسمي خلاص مبقاش مستحمل."
"هو أنا لما أقول تعبانة أبقى وحشة؟"
سكت البيت كله.
حتى حماتي.
لكن السكون مكملش ثواني.
حمايا دخل من الباب، وكان واضح إنه سمع آخر الكلام.
خلع شبشبه وهو بيقول بصوت عالي:
"هي لسه بتتكلم؟"
حماتي ردت بسرعة:
"بتقول مش هتشتغل تاني."
بصلي باستهزاء وقال:
"يبقى تقعد في بيت أهلها... اللي مش عايزة تشارك في بيت العيلة، مالهاش مكان هنا."
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
لفيت أبص لجوزي.
كنت مستنية يقول:
"كفاية... مراتي تعبانة."
أو حتى:
"الدكتور قال ترتاح."
أي كلمة...
أي حاجة.
لكنه فضل ساكت.
السكوت ساعتها كان أصعب من أي إهانة.
حسيت إن قلبي وقع.
بصيت له وقلت بصوت مهزوز:
"إنت ساكت ليه؟"
رفع عينه ناحيتي، واتنهد وقال:
"استحملي يومين... لحد ما الدنيا تهدى."
ابتسمت...
بس كانت ابتسامة كلها وجع.
"أنا استحملت اتناشر سنة يا أحمد."
"فاضل إيه تاني أستحمله؟"
خدت ولادي ودخلت أوضتي.
قفلت الباب بهدوء.
المرة دي ما عيطتش.
بقيت أبص لإيدي...
كانت مليانة تشققات من الغسيل والمنظفات.
ورجلي كانت بتوجعني لدرجة إني مش عارفة أقف.
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كانت أمي.
أول ما سمعت صوتي قالت:
"مالك يا بنتي؟ صوتك مش طبيعي."
حاولت أخبي.
لكن دموعي سبقت كلامي.
حكيت لها كل حاجة...
كل كلمة اتقالت.
كل إهانة.
سكتت أمي شوية...
وبعدين قالت جملة عمري ما هنساها:
"اللي يحافظ على صحته مش أناني يا بنتي... لأن اللي هيضيع صحته، محدش هيتعب مكانه."
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن حد لأول مرة واقف في ضهري.
لكن اللي ماكنتش أعرفه...
إن حماتي كانت واقفة برة الباب، وسمعت المكالمة كلها.
وفجأة...
سمعتها بتقول بصوت عالي لكل اللي في البيت:
"طالما أمها بتشجعها علينا... يبقى من بكرة هي وعيالها يا يلتزموا بقوانين البيت... يا يدوروا لهم على مكان تاني يعيشوا فيه!"
وساعتها...
عرفت إن اللي جاي مش مجرد خناقة...
ده هيكون أصعب اختبار عدى عليّا من يوم ما دخلت بيت العيلة.
يتبع..