مراتي بقت عاملة زي برميل الطرشي ج 2 حكايات منــال عـلـي

لمحة نيوز

الجزء الثاني: الحقيقة المرة
فضلت واقف مكاني، رجلي لزقت في الأرض كأن حد صب عليها خرسانة. الجملة نزلت عليا زي الصاعقة.. "السبب مش الأكل.. ولو جوزي عرف الحقيقة، أكيد هيسيبني".
دموعها اللي كنت سامعها مكنتش دموع زعل عادية، دي كانت شهقات رعب، شهقات حد غرقان ومش لاقي قشة يتعلق فيها. التليفون كان لسه على ودنها وهي عمالة تكتم صوت عياطها عشان محدش يسمعها، ومكنتش تعرف إن أنا واقف ورا الباب، مكسور، ومصدوم، وكل الأفكار اللي كنت مجهزها في دماغي عن الطلاق والانفصال اتبخرت في ثانية.
سحبت نفسي براحة ورجعت خطوتين لورا، وقفلت باب الشقة تاني براحة كأني لسه داخل حالا، وعملت صوت برجلي وقلت بصوت عالي بحاول أخليه طبيعي:
ـ "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. أنا جيت يا حبيبتي!"
سمعت حركة سريعة جوة الأوضة، صوت السرير وهو بيتهز، وصوت مسح دموع مستعجل. خرجت لي بعد دقيقتين، وشها كان أحمر وعينيها منفوخة، وحاولت ترسم على وشها ابتسامة باهتة مكسورة وقالت:
ـ "حمد الله على السلامة يا حبيبي.. مسمعتش صوت الباب وهو بيتفتح."
بصيت في عينيها جامد، كنت شايف كمية خوف عمري ما شفتها في حياتي. مكنتش شايف الست اللي كنت مسميها في سري "برميل طرشي"، كنت شايف البنت الخفيفة بتاعة زمان بس مستخبية ورا جبل من الهم والمرض.
قلت لها وأنا بحط مفاتحي على التربيزة:
ـ "الله يسلمك.. مال صوتك؟ إنتي كنتي بتعيطي؟"
ارتبكت، ولفت وشها بسرعة ناحية المطبخ وقالت:
ـ "لا أبداً.. ده بس شوية برد في زورى، تلاقيني اتأثرت بالتكييف. اطلب بقى عشا وإنت واقف عشان أنا ملقحتش أعمل حاجة النهارده."
في المعتاد، الكلمة دي كانت بتعصبني وتخليني أغلي من جوايا، بس المرة دي نزلت عليا برد وسلام. عرفت إن الأكل ده مكنش طفسة، الأكل ده كان الستارة اللي بتداري وراها مصيبة.
قلت لها بهدوء غريب عليا بقالي سنين م حستوش:
ـ "مش هنطلب دليفري النهارده.. أنا هعمل لقمة خفيفة ناكلها سوا، وندخل ننظف المطبخ، وبعدها عايزك في موضوع مهم."
وشها اتقلب ألوان، وبان عليها الرعب. دخلت المطبخ عملت سندوتشات جبنة وشاي، وقعدنا ناكل في صمت قاتل. هي مكنتش بتاكل بنهم زي كل مرة، كانت بتقطم القطمة وتفضل تبص في الفراغ.
بعد ما خلصنا، أخدت الصواني ودخلتها المطبخ، ورجعت قعدت جنبها على الكنبة. مسكت إيدها.. إيدها اللي بقالي شهور متجنب ألمسها. كانت ساقعة زي التلج وبتترعش.
ـ "بصي في عيني يا هند."
بصت لي والدموع اتجمعت في عينيها تاني وقالت بنبرة رجاء:
ـ "أبوس إيدك يا أحمد.. بلاش كلام في الميزان والدايت النهارده، أنا بجد مش قادرة.. متهدش حيلى أكتر من كده."
ـ "أنا مش هكلمك في دايت، ولا هكلمك في ميزان.. أنا سمعتك وإنتي بتتكلمي في التليفون يا هند."
الست اللي كانت قاعدة جنبي دي فجأة جسمها كله اتفض. وشها بقى أبيض زي الورقة، وحاولت تسحب إيدها من إيدي وهي بتقول بصوت مرعوب:
ـ "سمعت إيه؟ أنا مكنتش بتكلم في حاجة.. دي كانت مكالمة عادية مع أختي!"
ـ "هند.. متكدبيش. سمعتك وإنتي بتقولي: الدكتور أكد إن السبب مش الأكل.. ولو جوزي عرف هيسيبني. دكتور إيه يا هند؟ وإيه الحقيقة اللي هتخليني أسيبك؟ أنا جوزك، الراجل اللي شيلتيه في عينيكي زمان.. مش غريب عشان تخبي عليا مصيبتك!"
انهارت.. انهار السد اللي كانت بنياناه بقالها سنين. وبقت تعيط بحرقة وتقول:
ـ "سامحني يا أحمد.. والله العظيم غصب عني.. أنا مكنتش بطفس، أنا كنت بهرب.. كنت بموت!"
طبطبت عليها وفضلت حاضنها لحد ما هديت شوية، وسحبت منديل مسحت لها دموعها وقلت لها:
ـ "فهميني يا بنتي.. في إيه؟ إيه اللي قالوا الدكتور؟"

تنهدت تنهيدة حستها طالعة من ضلوعها، وقامت دخلت الأوضة، جابت شنطة ورق كبيرة مليانة تحاليل وأشعات، وحطتها في حجري. فتحت الورق وبقيت أقرا.. أنا مش دكتور، بس الكلمات الإنجليزي والتحاليل كانت واضحة..
ـ "أنا عندي ورم في الغدة النخامية يا أحمد.. ورم حميد بس مأثر على كل هرمونات جسمي."
بصيت لها ومكنتش فاهم أوي، كملت وهي بتبكي:
ـ "الموضوع بدأ من تلات سنين.. لما كنت بتشوفني باكل، مكنتش باكل عشان جعانة. المرض ده بيعمل حاجة اسمها 'شره مرضي' غير طبيعي، الهرمونات عندي متدمرة، الحرق عندي صفر، لو أكلت هوا بتتخن.. الغدة دي مسؤولة عن الشبع والجوع والحركة والاكتئاب.. أنا بقالي تلات سنين عايشة في جحيم!"
سألتها بذهول وصدمة:
ـ "وليه مخبيتيش عليا؟ ليه سيبتيني أقول عليكي مهملة وكسلانة؟ ليه كنتي بتسيبيني أتخانق معاكي وأنا فاكرك مش فارق معاكي شكلك ولا بيتك؟"
خبت وشها بين إيدها وقالت بصوت مخنوق:
ـ "لأني كنت خايفة.. خايفة تقول عليا ست عيانة ومعيوبة وتسبني.. إنت راجل وشاب ومن حقك تعيش مع ست بكامل صحتها.. لما لقيت جسمي بيزيد والهدوم بتضيق وأنا مش قادرة أتحكم في شهيتي، جالي اكتئاب حاد.. والاكتئاب خلاني أهرب للأكل أكتر.. بقيت في دايرة مقفولة.. أكتئب فآكل، فأتخن، فتكرهني، فآكل تاني عشان أنسى!"
كملت وهي بتترعش:
ـ "اشتراك الجيم اللي جبتهولي.. رحت أول يوم، جالي هبوط حاد والمدربة قعدت تتريق على وزني قدام البنات، رجعت عيطت وأكلت.. دكتور التغذية رحت له،

تم نسخ الرابط