مراتي بقت عاملة زي برميل الطرشي ج 3 حكايات منــال عـلـي
الجزء الثالث
خرجنا من عيادة الدكتور والسكوت واكلنا. رجلية مكنتش شايلاني، وكلامه عمال يلف في دماغي زي الساقية: "العملية مجازفة كبيرة بحياتها!". بصيت لهند، كانت ماشية جمبي ودموعها نازلة من تحت النضارة الشمسية من سكات، مكسورة ومرعوبة، كأنها كانت مستنية طوق نجاة، فطلع الطوق نفسه فيه مية خرم.
ركبنا العربية، وفضلنا قاعدين شوية من غير ما أدورها. أخدت نفس طويل، ولفيت وشي ليها، ومسكت إيديها الاتنين وقلت لها بنبرة حاولت أخليها قوية وجامدة:
ـ "هند.. بصيلي هنا. الدكتور قال تحدي.. مقالش مستحيل. وإحنا قد التحدي ده، فاهمة ولا لأ؟"
مسحت دموعها بكم كمام عبايتها وقالت بصوت يقطع القلب:
ـ "أنا خايفة يا أحمد.. خايفة أدخل الأوضة دي مطلعش منها تاني.. خايفة أسيبك وإنت لسه زعلان مني."
ـ "زعلان منك إيه يا هبلة! أنا لو زعلان، فزعلان من نفسي ومن غبائي. إنتي دلوقتي بطلي تفكري في أي حاجة غير إننا هنعدي الأسبوعين دول. أنا معاكي، ومش هسيبك ثانية واحدة."
من اللحظة دي، البيت اتقلب لمعسكر جيش. مفيش وقت للندم ولا وقت للكسل. كلمت مديري في الشغل وشرحت له الظرف، والراجل كتر خيره وافق يديني إجازة أسبوعين أخلص فيهم الفحوصات والتحاليل.
أول حاجة عملتها، دخلت المطبخ ولميت كل كاسات الشيبسي، والحلويات، والمياه الغازية، وأي أكل جاهز دليفري كان مستخبي في الديرف، ورميت كل ده في كيس زبالة كبير ونزلت رميته بره البيت. هند كانت واقفة بتبص عليا وهي ساكتة، كانت حاسة إن أمانها الوحيد اللي كانت بتهرب له بيضيع، بس المرة دي كانت عارفة إنه بيضيع عشان تعيش.
نزلت السوق، جبت خضار فريش، وفراخ، وسمك، وكل حاجة صحية. بقيت أنا اللي واقف في المطبخ بطبخ، بوزن الأكل بالجرام زي ما دكتور الغدد كتب لنا في الورقة الإرشادية عشان نساعد الجسم ينزل المية المحبوسة ويظبط الضغط.
في اليوم الثالث، قعدنا على السفرة عشان ناكل، لقيتها حطت الشوكة من إيدها وبدأت تعيط.
ـ "مش قادرة يا أحمد.. الأكل ملوش طعم، وأنا حاسة بجوع كافر.. جوع جوة دماغي مش في بطني، حاسة إني عيانة وعايزة أكل أي حاجة مسكرة لتموت."
قمت من مكاني وقعدت ع الكرسي اللي جمبها، وأخدتها في حضني:
ـ "عارف يا حبيبتي.. عارف إن جسمك بيحاربك، وإن الهرمونات مخلية دماغك بتصرخ عشان تاكلي. معلش، تعالي على نفسك عشان خاطري.. كل قطمة بتستحمليها بتقربنا خطوة من العملية والشفاء. اشربي مية كتير، وأنا هقعد أحكيلك قصة."
بقيت أشغلها بالكلام، أحكي لها عن أيام خطوبتنا، وعن المواقف المضحكة اللي حصلت لنا زمان، لحد ما تنسى الجوع وتخلص طبقها بالعافية.
الأيام كانت بتجري بينا زي القطر. كنا بنصحى من النجمة، أخدها من إيدها ونروح معامل التحاليل. تحاليل سيولة، تحاليل وظائف كبد وكلى، رسم قلب بالمجهود، وأشعة إيكو. هند كانت بتتعب من أقل مشوار، وكانت رجلها بتورم، فكنت بسندها بكل قوتي، ومش بخلّي حد في الشارع يبص لها ب بّصة مش عاجباني إلا وأنا واقف له زي الأسد.
في يوم وإحنا مستنيين نتيجة تحليل الدم في الصيدلية، قعدت على الكرسي وراحت في النوم من التعب. بقيت أبص لوشها وهو دبلان، وافتكرت أيام ما كانت زي الفراشة. دعيت من كل قلبي: "يا رب، ارجعلي بيها بالسلامة.. أنا مستعد أعيش معاها عمري كله أخدمها، بس متحرمنيش من حسها في الدنيا."
بعد عشر أيام من الالتزام التام بالعلاج الغذائي والدوائي اللي بيظبط الهرمونات والضغط، كان لازم نرجع للدكتور عشان يشوف النتيجة ويحدد الميعاد النهائي.
دخلنا عيادة دكتور جراحة المخ والأعصاب تاني. المرة دي مكنتش هند لوحدها المرعوبة، أنا كمان كنت حاسس إن قلبي هيقف من ضرباته السريعة. حطينا الفحوصات الجديدة كلها على مكتبه.
الدكتور لبس النضارة وبدأ يراجع الأرقام والتحاليل واحد ورا التاني وهو ساكت تماماً، وشه مكنش باين عليه أي تعبير. الثواني كانت بتمر كأنها سنين. هند مسكت إيدي وضغطت عليها جامد لدرجة إن ضوافرها علّمت في جلدي، ومكنتش قادرة تتنفس.
أخيرًا، رفع الدكتور عينه وبص لنا، وابتسم ابتسامة خفيفة ريحت قلبي شوية وقال:
ـ "بسم الله ما شاء الله.. أنا مش مصدق الأرقام دي! الضغط اتظبط تماماً، والمية المحبوسة في الجسم بدأت تنزل، ووظائف القلب ممتازة للتخدير.. إنت عملت معاها إيه يا بطل؟"