الـبيت بيـتي بقلم منــال عـلـي
الاوضة ضلمت في نص الكلمة.
قبل ثانية واحدة كان الشيف اللي في التلفزيون بيزعق على "تكات الصلصة" فوق طاسة سمنة بتغلي، وفي الثانية اللي بعدها.. الشاشة إسودت.سكوت. من النوع اللي يخلي ودنك تصفر ويخلي قلبك يقع في رجلك في نفس الوقت.
بربشت بعيني في التلفزيون كأنه خانني.
بعدين عيني جت على الريموت في إيد حماتي إنعام بقلم منــال عـلـي
كانت واقفة قدام الكنبة بتاعتي كأنها صاحبة المكان، وإبهامها لسه محطوط على زرار الباور، وبقها مرسوم عليه الابتسامة الضيقة الصفرا اللي غالباً اتدربت عليها في المرايا من قبل ما أنا أتولد أصلاً متوفره على روايات واقتباسات قالت بمنتهى البرود كأنها بتعلق على حالة الجو: "إحنا مبنشوفش القرف ده". شاورت للشاشة المظلمة كأنها عملت فيا جميل وكملت: "إحنا -هنا- في بيتي."
سمعت الجملة مرتين. أول مرة سمعت الكلمات.. وتاني مرة فهمت المعنى.
بيتي؟
مش شقة ابنها.. مش مجرد سكن كانت جاية "تقعد فيه أسبوعين لحد ما أمورها تتصلح".. مش بيت اشتريناه مع بعض بفلوس "النقوط" والجمعيات وتعب السنين.
ده البيت اللي اشترته جدتي "ستهم" سنة 1987 من شقاها في شغلانة "مشرفة تغذية" في مدرسة حكومية في طنطا. البيت اللي خشب أرضيته هي اللي صنفرته بنفسها سنة 1990وهي مشغلة الراديو على "أضواء المدينة" وبتمسح عرقها بطرف طرحتها. البيت اللي العقد بتاعه فيه اسم واحد بس.
إسمي أنا.
بصيت لبعيد،من ورا حماتي
كان "هاني" قاعد على الكرسي اللي بعيد عني بمترين، ماسك الموبايل في إيده، وعمال
ما اتهزش. ما رفعش عينه حتى.
ما قالش "يا ماما عيب كده". ما قالش "يا حبيبتي أنا أسف". ما طلعش منه حتى النفس المكتوم اللي الناس بتطلعه لما يحسوا إن فيه مصيبة بتحصل بس مكسلين ياخدوا موقف.
ولا حاجة. مجرد "سكرول".. "سكرول".. تقليب وبس.
حسيت بحاجة جوه صدري بتشرخ، شرخ وحش وببطء.
أنا اسمي "هالة". عندي 32 سنة. بشتغل "أخصائية تأمين" في مستشفى حكومي كبير.. يعني من الآخر بقضي 9 ساعات في اليوم بشرح للناس ليه "السيستم" رفض يغطي العملية اللي هما داخلين يعملوها. بقلم منال علي
شاطرة في الورق.. شاطرة في المواعيد.. وصوتي بيفضل ثابت وهادي حتى لما حد بيعيط في التليفون عشان طلب علاج الكيماوي اترفض بسبب "ختم ناقص". بس عمري ما كنت شاطرة في "المواجهة".
ده اللي كانت بتقوله لي الأخصائية النفسية: "يا هالة أنتي بتحلي كوارث الناس، بس بتصغري نفسك قدام مشاكلك الشخصية."
في الليلة دي، وأنا واقفة في صالون بيتي، وست عندها 63 سنة بتقول على بيت جدتي إنه "بيتها" بكل عين قوية، عرفت حاجة واحدة.
أنا خلاص.. مبقتش عايزة أصغر نفسي تاني.
الست أنعام حماتي دخلت بيتي من سبعة شهور. سبعة. الخطة كانت أسبوعين.
قالت لنا إن فيه ماسورة ضربت في شقتها اللي في "حي السلام" ومحتاجة مكان تقعد فيه لحد ما السباك يخلص والبيت
قلت ماشي. وجهزت أوضة الضيوف بأحسن فرشة عندي. الأسبوعين بقوا شهر، والشهر بقى تلاتة.
المواسير "اتصلحت" في شهر أكتوبر. عرفت ده لما كلمت البواب بتاع عماراتها بنفسي، وعملت نفسي بسأل عن شقة للإيجار هناك، وقالي إن الشقق كلها تمام وزي الفل.
لما واجهت الحاجة إنعام، حطت إيدها على قلبها كأنها بطلة في مسلسل درامي وقالت: "لسه تعبانة يا بنتي، مش قادرة أرجع للوحدة." وهاني طبعاً طبطب عليها وقال لي: "اديها وقتها يا هالة."
في الأول كانت بتساعد، بس بعدين بدأت "تبدلني". شالت عفش جدتي، ورمت علبة وصفاتها الخشبية القديمة اللي فيها ريحة طفولتي في الزبالة وقالت عليها "كراكيب".
لما عيطت وهاني عرف، قالي: "أمي مكنتش تعرف إنها مهمة.. كبري دماغك يا هالة."
أكبر دماغي؟
كنت عايزة أمسكه من لياقته وأقوله: "أكبر دماغي عن إيه تاني؟ عن بيتي؟ عن اسمي؟ عن حياتي؟" بس معملتش كده.بقلم منال علي
لأني صبورة.. صبورة زيادة عن اللزوم. جدتي كانت بتقول لي: "يا هالة، الصبر مش ضعف.. الصبر ده نَفَس طويل عشان تكسب اللعبة في الآخر."
وفعلاً، أنا لعبت "اللعبة الطويلة".
حتى لما الحاجة إنعام بدأت تقول للجيران إنني "حبساها" ومقيدة حريتها، والناس بدأت تبص لي بغرابة وأنا بطلع الزبالة. حتى لما بدأت أحس إني "ضيفة" في بيتي اللي دافعة فيه دم قلبي.
بس حركة "الريموت" دي مكنتش بداية النهاية.. النهاية بدأت من 21 يوم فاتوا.
يوم تلات
أنا مش بقول سرقة مجازاً، أنا قصدي سرقة بجد، بالأوراق، بهدوء، ومن غير شوشرة. النوع ده من السرقة اللي بيتعمل بناس لابسة هدوم مكوية ونضيفة.
من 3 أسابيع، كنت محتاجة "كشف رسمي" من الضرائب العقارية. كنت بفكر أعمل "قرض بضمان العقار" عشان أصلح السقف، البيت قديم وجميل بس كل شوية حاجة فيه بتبوظ.
دخلت أفتح المستند من كمبيوتر المكتب. أنا وهاني كنا بنشارك بعض كل "الباسوردات".. أو ده اللي كنت فاكراه.
لقيت "الباسورد" بتاع إيميله الأساسي اتغير. مخفتش، جربت إيميله القديم بتاع "الفيسبوك" والاشتراكات التافهة.. والقديم نفع!
لقيت فولدر اسمه: "حوار البيت". كلمتين بس.. من غير حتى ما يحاول يداري.
جوه لقيت سلسلة رسايل بين هاني وأمه "إنعام". 14 رسالة في 6 أسابيع. العنوان: "إضافة الاسم لعقد البيت".
إيدي اتجمدت.. الدم هرب من عروقي. الست إنعام كانت كاتبة له بمنتهى البساطة كأنها بتكتب "قائمة طلبات من السوبر ماركت":
"المحامي قالي إنها لو وقعت على 'تنازل' الموضوع هيخلص في ثانية. قولها بس إن ده عشان إجراءات التأمين والضرايب، وهي عبيطة وهتصدق ومش هتسأل."
وهاني رد عليها: "هفاتحها في الموضوع بعد عيد ميلادها، هتكون في مـود كويس وهتوافق."
عيد ميلادي كان بعد 11 يوم.. يا لها من هدية!
بس اللي وجع قلبي مش الكلمات بس، الثقة اللي بيتكلموا بيها! الحاجة إنعام كلمت محامي فعلاً، وعرفت هيتكلف كام (3000 جنيه مصاريف) وكانت هتدفعهم من جيبها. مكنش كلام