الـبيت بيـتي بقلم منــال عـلـي
قعدت على الكرسي ده 20 دقيقة مش قادرة أتحرك. مش عارفة أعيط. قريت الرسايل 4 مرات عشان أتأكد إني مش واهمة.
وبعدين فتحت درج الطابعة عشان أطبع الرسايل دي.. لقيت "كشف حساب" لفيزا مشتريات باسم هاني.
الرصيد: 55 ألف جنيه دين!
تاريخ الفتح: من 14 شهر.
القسط: 1500 جنيه كل شهر.
والقسط كان بيتسحب تلقائي من "حسابنا المشترك" كل شهر، وأنا مكنتش بلاحظ لأني كنت فاكرة إن دي فواتير النت أو كهرباء أو أي مصاريف تانية هاني شايلها "بمسؤولية".
حسبتها بسرعة: 1500 جنيه في 14 شهر يعني 21 ألف جنيه. أنا دفعت من جيبي أكتر من 20 ألف جنيه لديون أنا معرفش عنها حاجة!
إذن الصورة بقت واضحة:
جوزي، اللي بيقبض "فتات" من شغله في المخازن، عنده ديون سرية.
بيحول فلوس لأمه من حسابنا المشترك عن طريق "فودافون كاش".
وبيخطط يضحك عليا عشان أتنازل له عن بيت جدتي.
وفي المقابل، أنا اللي بدفع كل مليم: كهرباء، ميه، غاز، جمعيات، خزين البيت.. كل حاجة!
عارفين أنا عملت إيه؟
مواجهتوش. مصوتش. ملمتش هدومه ورميتها في الشارع زي الأفلام.
لأني "أخصائية تأمين".. أنا بشوف الناس بتخسر حقوقها عشان "بتنفعل" بدل ما "تنظم نفسها". التوثيق دايماً بيكسب الدراما.
بدأت أبني قضيتي.. حتة حتة.. بهدوء.. من غير ما يحسوا بحاجة.
أول يوم بعد الاكتشاف، كلمت "أستاذة عزة"، محامية أحوال شخصية شاطرة جداً. حكيت لها كل حاجة وفرجتها على الرسايل وتحويلات الفلوس وعقد البيت.
أستاذة عزة سمعتني للآخر وقالت لي 3 حاجات:
"البيت ده ورث وموروث، وباسمك لوحدك، هو ملوش مليم فيه."
"
"أنا هجهز ورق الطلاق والتمكين في أسبوع.. مستنية منك كلمة 'ابداي'."
كلمة "ابداي" دي كانت زي الكبريت اللي ولع في قلبي.
في اليوم التالت، فتحت حساب بنكي لوحدي في فرع بعيد. وبدأت أحول مرتبي عليه. نوح ملاحظش، هو كان بيفترض إن الفلوس بتظهر في الحساب "بالبركة" زي الميه اللي بتنزل من الحنفية.
وبعدين اكتشفت حوار "فودافون كاش" كله. البنك بعت لي رسالة "نشاط مشبوه" بسبب تحويلات متكررة لنفس الرقم.
الرقم كان متسجل باسم مستعار: "فاعل خير".
طلبت من الموظف يعرف لي الرقم باسم مين.. طلع باسم حماتي إنعام!
الست اللي عندها 63 سنة بتلعب استخبارات مالية وبتسمي نفسها "فاعل خير" وهي بتسحب شقايا!
في خلال 6 شهور، هاني حول لها أكتر من 15 ألف جنيه من تعبي.. الحاجة إنعام ادعت إن دي فلوس "علاج". وأنا بحكم شغلي، دخلت على سيستم التأمين بتاعها لقيت إن علاجها كله متغطي حكومياً ومجانياً!
أصل لو فيه حد في الدنيا مينفعش تضحك عليه بسبوبة "مصاريف طبية"، فهو الشخص اللي شغال في "المطالبات والتأمين" طول النهار!
وفي اليوم العاشر، كلمت "رشا"، أخت هاني الكبيرة.. وهنا بدأت الحكاية تاخد من منعطف تاني خاالص
لما كلمت "رشا"، أخت هاني الكبيرة، مكنتش متوقعة إنها هتكون "القنبلة" اللي هتفرقع في وشهم كلهم. رشا كانت دايماً بعيدة، عايشة في السويس مع جوزها، وعلاقتها بأمها "إنعام" فاترة.
أول ما فتحت معاها الكلام، رشا سكتت ثانية، وبعدين
الدنيا لفت بيا. رهان؟ هاني؟
رشا كملت: "هاني بيلعب قمار أونلاين من وراكي بقاله سنتين، وأمي بتغطيه وبتاخد منك الفلوس عشان تسد العجز قبل ما يتحبس، ومفهماني إنك أنتي اللي 'إيدك ناشفة' ومقصرة معاه."
في اللحظة دي، كل قطع "البازل" ركبت في مكانها. التوتر، الموبايل اللي مش بيفارق إيده، الديون اللي بـ 55 ألف جنيه، والتحويلات اللي تحت اسم "فاعل خير".
رجعت البيت الليلة دي، ولقيت المشهد اللي بدأت بيه حكايتي: الحاجة إنعام قافلة التلفزيون في وشي وبتقول "بيتي".
بصيت لها بمنتهى الهدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، وقلت لها: "يا حاجة إنعام، البيت ده عمره ما كان بيتك، ولا عمره هيكون."
هاني رفع عينه من الموبايل لأول مرة، ملامحه اتغيرت: "في إيه يا هالة؟ جرا إيه يا حبيبتي؟"
طلعت من شنطتي "فايل" بلاستيك، وحطيته على الترابيزة اللي قدامهم.
"ده الفايل اللي فيه رسايل الإيميل، وتحويلات فودافون كاش، وكشف حساب الفيزا السري، ومعاهم 'إنذار على يد محضر' بطردك يا حاجة إنعام من البيت.. وقضية طلاق يا هاني."
حماتي وشها اصفّر، وبدأت تمثل نوبة قلبية: "آه يا قلبي.. أنتي بتطرديني يا ....؟ في بيتي؟"
ضحكت بصوت عالي: "لا يا حاجة، الثقافة السينمائية دي متمشيش عليا. أنا أخصائية تأمين، يعني بعرف الفرق بين الوجع الحقيقي والتمثيل بلمحة عين. والبيت ده باسم 'هالة محمود'، وبكرة الصبح العفش بتاعك هيكون قدام باب الشقة في حي السلام اللي 'مواسيرها'
هاني قام وقف، صوته كان بيرعش: "هالة، أنتي فاهمة غلط.. أنا كنت هحكيلك.."
قاطعته بحدة: "كنت هتحكيلي وإحنا عند المحامي عشان أوقع على 'التنازل'؟ ولا كنت هتحكيلي لما البنك يحجز على البيت بسبب ديون قمارك؟ رشا حكت لي كل حاجة يا هاني."
كلمة "رشا" كانت زي الرصاصة اللي قضت على الباقي من مقاومته. قعد على الكرسي تاني، ووشه في الأرض.
الحاجة إنعام حاولت تلم الدور: "يا بنتي، إحنا أهل، متبوظيش بيتك عشان شوية ورق.."
قلت لها: "البيت ده أنا اللي بانيه بدم قلبي وصبري، والنهاردة أنا بهده عشان أبني لنفسي حياة نضيفة. قدامكم ساعتين، تلموا فيها هدومكم وتخرجوا.. وإلا هطلب البوليس، والورق اللي قدامكم ده كفيل يودي هاني ورا الشمس بتهمة النصب."
الليلة دي، البيت رجع يفضى تاني.
سمعت صوت شنطهم وهي بتتجر على الأرض، نفس الأرض اللي جدتي صنفرتها بإيدها. الحاجة إنعام كانت بتبرطم بكلام مش مفهوم، وهاني كان ماشي وراها زي العيل الصغير اللي ضيع لعبته.
لما قفلوا الباب وراهم، البيت مكنش ضلمة. بالعكس، حسيت إن النور رجع لحيطانه تاني.
دخلت المطبخ، وطلعت برطمان الدقيق من الطقم الجديد اللي الحاجة إنعام فرضته عليا، ورميته في الزبالة. وبدأت أدور في الدرج اللي تحت، لحد ما لقيت "صورة" كنت مصوراها بالموبايل لعلبة وصفات جدتي قبل ما تترمي.. وقررت إن بكرة الصبح، أول حاجة هعملها إني هشتري علبة خشب جديدة، وأرسم عليها تفاحة حمراء، وأكتب فيها وصفات حياتي من أول وجديد.
الصبر فعلاً مش ضعف.. الصبر نَفَس طويل، وأنا النهاردة
تمت.