جوزي قرر يبيع شقه أمي.. بقلم منــال عـلـي
— "يعني إيه؟ هنبيعها ولا إيه النظام؟" — عصام سأل السؤال ده ببرود أول ما رجعوا من عند المحامي.
صافي اتخضت من السؤال وطلعت منها الكلمة بتلقائية: بقلم منــال عـلـي
— نبيع إيه يا عصام؟
— شقة والدتك الله يرحمها.. هنخليها تعمل إيه؟ نبيعها ونحط قرشين عليها ونجيب شقة أوسع في حتة أنضف، أو نطلع بيهم بمصلحة تانية تنفعنا.
— عصام، أمي لسه مكملتش أربعين يوم، — ردت بهدوء وهي بتحا مصلحتنا.. القرش الأبيض بيفيد في اليوم الأسود.
صافي مردتش، مكنتش قادرة تدخل في خناقة، كانت محتاجة تقعد مع نفسها وبس. وافتكرت كلمة أمها ليها زمان وهي بتوصيها:
«يا صافي، يا بنتي.. خلي دايماً ليكي عتبة ملكك، الرجالة بتروح وتيجي، بس السقف اللي فوق راسك هو اللي باقي لك». بقلم منــال عـلـي
بس عصام مكنش من النوع اللي بيسكت..
بعد أسبوع فتح السيرة تاني، وبعدها بـ3 أيام تالت.. وبدأ يرجع البيت ومعاه ورقة وقلم وحاسبها بالمليم.
— بصي يا ست الكل، الشقة دي لو اتباعت وجبنا تمنها، ممكن نشتري شقة تانية في "الكومباوند" الجديد اللي قولتلك عليه، ونبقى عملنا مستقبل لـ "بودي".
— يا عصام، أنا مش عايزة أبيع، — صافي قالتها بقطع.
— ليه بس؟ متوفره على روايات واقتباسات
— عشان دي ريحة أمي، دي الحتة اللي فاضلة لي منها.
— بلاش كلام دراما يا صافي.. الذكريات في القلب مش في الحيطان والطوب.
عصام سكت، بس صافي كانت عارفة إن السكتة دي وراها حاجة.. وفعلاً مكنتش غلطانة. بقلم
فات أسبوع كمان، وجه بليل وهو بيشرب الشاي وقالها:
— اسمعي بقى، أنا فكرت في حسبة "عدل".. نبيع الشقة ونقسم الفلوس، جزء نشيله لتعليم بودي، وجزء نطلعه لـ "عادل" ابني الكبير.. مش هو برضه من العيلة ولا إيه؟
صافي جسمها اتلج:
— عادل مين؟ وبفلوس أمي؟
— عادل ابني، ماله؟ مش أنا أبوه؟ ليه ميستفيدش ويجهز نفسه؟
— عصام، — قالتها وهي بتنطق كل حرف بوجع، — ده ورث أمي أنا.. ليا لوحدي.. لا ليك، ولا لابنك.
— إيه ده؟ هو إحنا بقينا "أنا وإنت"؟ — صوته علي، — إحنا مش عيلة واحدة ولا أنا غريب عنك؟
صافي سكتت، وحست بغصة في حلقها.. ولأول مرة من 15 سنة جواز، سألت نفسها: بقلم منال علي
"هو فعلاً ممكن يكون غريب عني؟"
بدأت صافي تروح شقة المعادي كل يوم جمعة، تنضف الصور، ترتب لبس أمها، وتمسح الخشب اللي بيزيّق ده. في الأول عصام كان بيبرطم، وبعدين بدأ يزعق.
— إنتي هتفضلي رايحة جاية على هناك؟ موراكيش بيت وعيال؟ كفاية بقى!
— أنا محتاجة أروح هناك يا عصام.
— محتاجة إيه وكلام فارغ إيه.. والبيت اللي هنا ده ملوش حق عليكي؟
مبقتش ترد، كانت بتاخد شنطتها وتنزل. في الشقة القديمة كان فيه هدوء غريب، ريحة البخور والكتب وكريم الإيد بتاع أمها لسه موجودة. كانت تترمي على الكنبة وتعيط بحرقة.. هناك بس كان مسموح لها تبقى ضعيفة.
أما في البيت، عصام كان "نازل زن".
— أنا حسبتها، الشقة تجيب لها بتاع 3 مليون جنيه، ندي مليون ونص لكل ولد والكل يبقى مرضي.
— عصام..
— خلاص إيه؟ أنا بفكر في مستقبل العيال!
— إنت بتفكر في ابنك إنت!
— وما له؟ ما هو ابني فعلاً!
— بس مش ابني أنا! — صافي انفجرت، — ولا عمره كان "حفيد" لأمي عشان ياخد من شقا عمرها!
وش عصام جاب ألوان:
— بقى دي نظرتك؟ مش معتبرة ابني بني آدم حتى؟
— مقصودش.. بس ليه مش عايز تفهم؟ أمي شقيت طول عمرها عشان تسيب لي حاجة تسندني..
— تسندك من إيه؟ — قاطعها بغل، — عشان تهربي مني يعني؟
السكوت ساد المكان.. سكوت تقيل يخنق.
— إنت بجد شايف كده؟ — سألت بصوت واطي.
— أمال هشوف إيه؟ وإنتي عمالة تخبي عني وتجري على هناك كل شوية..
— أيوه، أنا سجلت الشقة باسمي في الشهر العقاري، — قالتها بمنتهى الثبات، — عشان ده حقي.
عصام زق الكرسي وقعه على الأرض وهو قايم:
— تمام.. يعني العيلة والعيشرة ملهومش لازمة عندك.
— لا، إنت اللي وقفت! أنا شقيت في البيت ده زيك بالظبط وشيلت شيلتك!
الخناقة كبرت، وبودي طلع من أوضته مخضوض:
— ماما؟ بابا؟ فيه إيه؟
— مفيش يا حبيبي، — صافي قالت بابتسامة مزيفة، — ادخل كمل مذاكرتك.
عصام خد جاكتته وفتح الباب:
— أنا رايح لعادل ابني.. على الأقل هناك فيه ناس بتقدر.
ورزع الباب وراه. صافي قعدت مكانها وانفجرت في العياط.
بليل، بنتها الكبيرة كلمتها وشجعتها، وقالت لها "يا ماما دي شقة تيتة، وهي كانت عايزاها تفضل لينا".
تاني يوم عصام رجع وقالها بلهجة تهديد:
— أنا فكرت.. لو مبعتيش، أنا هروح أعيش مع ابني.
صافي بصت له.. وفجأة
— تمام يا عصام.. لم هدومك واتفضل.
اتصدم:
— إنتي بتتكلمي جد؟
— جداً.
— هتبيعي 15 سنة جواز عشان شقة قديمة؟
— لا.. هبيعهم عشان إنت محترمتش حزني.. وعشان من يوم ما أمي ماتت وإنت عينك على فلوسها مش عليا.
عصام سكت ومردش.. وخرج وهو شايط.
صافي قعدت على الكنبة، ومبقتش قادرة حتى تنزل دمعة واحدة.
بودي قرب منها وحضنها:
— إنتي صح يا ماما.. تيتة أكيد فخورة بيكي دلوقتي.
الأيام عدت.. وصافي بدأت تحس إن الحياة من غير "نكد" عصام وزنّه مش وحشة زي ما كانت فاكرة.
وبعد شهر، عصام رجع.. بس المرة دي كان هادي ومنكسر.
— أنا كنت غلطان، — قالها وهو باصص في الأرض، — سامحيني.
اعترف إن حتى ابنه عادل قاله "يا بابا إنت جيت على طنط صافي أوي، والفلوس دي حقها هي".
صافي بصت له كتير، وقالت له كلمة واحدة:
— العيلة يا عصام مش فلوس.. العيلة "أصل" واحترام.
نزل راسه في الأرض:
— الشقة بتاعتك.. اعملي فيها اللي إنتي عايزاه.
صافي اتنهدت وقالت:
— أنا قررت.. الشقة هتفضل في العيلة، يمكن بنتي تسكن فيها، أو نأجرها، بس مش هتتباع أبداً.
وافق ورجع البيت.. بس فيه حاجة "اتشرخت" للأبد.
صافي مبقتش الست اللي بتخاف من المواجهة أو بتسكت على حقها.
وفي يوم، كانت قاعدة في شقة المعادي، باصة من الشباك على الشارع الهادي، وقالت بصوت واطي:
«يا أمي.. أنا عملت اللي قولتي عليه.. الشقة فضلت، وأنا كمان فضلت "صافي" اللي عرفتيها».
ومشيت إيدها على سور الشباك
"دلوقتي.. أنا عندي مكاني اللي مفيش مخلوق هيقدر يخرجني منه أبداً".