اعمليلي المحشي اللي بحبه.. بقلم منــال عـلـي
كانت دينا تقرأ الرسالة مرة ورا مرة، شاشة الموبايل بتعكس ضوء باهت على وشها المصدوم. صوابعها كانت بتترعش... مش من الزعل، لأ، كانت رعشة نفض الغبار عن جرح قديم ظنت إنه التأم. بقلم منال علي
كمان نص ساعة؟ !! ..
بعد تلات شهور من الاختفاء التام؟ بعد ما شطبهم من حياته كأنهم مجرد سطر غلط في كتاب قديم وقرر يقطعه؟
حطت الموبايل على الترابيزة الخشبية، ومسحت إيديها اللي عليها بقايا طين ناشف؛ أثر شغلها في الورشة اللي بقت ملاذها الوحيد. فتحت الشباك، فدخل الهوا البارد بسرعة، وخلط ريحة الفخار المبلول بريحة الشارع الساكن. بصت لقطع الفخار المرصوصة على الأرفف، منها اللي اكتمل ومنها اللي لسه خام مستني إيد تشكله.. زي حياتها بالظبط.
بعد شوية، كانت واقفة في المطبخ، متوفره على روايات واقتباسات الحلة الفاضية قدامها كانت بتعكس حيرتها. مش متأكدة إذا كان عندها كل مكونات المحشي اللي بيحبه، وفجأة سألت نفسها بمرارة بقلم منال علي
وأنا أعملهوله ليه أصلاً؟
في اللحظة دي دخلت ليلى المطبخ، كانت لابسة بيجامة عليها رسومات دباديب صغيرة، وعينيها لسه فيها غيم النوم.
ماما مين اللي بعتلك الرسالة؟ سألتها ببراءة خلت قلب دينا يوجعها.
دينا حاولت ترسم ابتسامة باهتة وقالت
محدش يا حبيبتي شغل بس. روحي كملي تلوين جوه.
لكن قلبها كان بيدق بطريقة ملخبطة. هي عارفة إن كريم مش راجع عشان الأكل، ولا راجع عشان الوحشة. أكيد في حاجة اتكسرت هناك، في حياته التانية اللي اختارها بكامل إرادته. يمكن الست التانية زهقت من أنانيته، أو يمكن الحياة المثالية اللي رسمها طلعت مجرد سراب، فقرر يرجع للميناء القديم اللي عارف إنه دايمًا أمان.
ولّعت البوتاجاز بحركة تلقائية، كأن إيديها حافظة تفاصيل إرضاء كريم أكتر من عقلها. طلعت الكرنب والكوسة والباذنجان... ومع كل حركة سكينة على الخضار، كانت بتحس إنها بتقطع حتة من ذكرياتها معاه. كانت بتردد جواها زي تعويذة عشان متضعفش
مش
لما جرس الباب رن، كانت ريحة المحشي والتسبيكة ماليّة البيت. ريحة دفا قديم كانت فاكرة إنه مات، بس اكتشفت إنه كان مستخبي تحت رماد الوجع. وقفت دينا مكانها للحظة، عدلت طرحتها، وأخدت نفس طويل قبل ما تفتح الباب.
كان كريم واقف قدامها. نفس الوسامة المستفزة، نفس الثقة اللي بتغطي على عيوبه. لابس جاكيت جديد شيك، بس عينيه كانت تايهة، بتلف في أركان الشقة كأنه بيدور على حاجة ضيعها.
إزيك يا دينا.. قالها بصوت فيه بحة تردد مدروسة.
الحمد لله. ردت بكلمة واحدة، باردة زي حتة رخام.
دخل من غير ما تستأذنّه، قلع الجاكيت ورمى مفاتيحه على الترابيزة بنفس الطريقة اللي كانت بتنرفزها زمان. شم ريحة الأكل وابتسم بكسرة
لسه فاكرة إني بحب المحشي من إيدك متوفره على روايات واقتباسات
دينا حطت الطبق قدامه وهي بتبصله بنظرة فاحصة
فاكرة حاجات كتير يا كريم بس الذاكرة دي لعنة مش ميزة،
بدأ يأكل، ومع كل لقمة كانت ملامحه بترتخي، كأنه بيستمد طاقة من البيت اللي هجره.
البيت كان واحشني أوي يا دينا.. الغربة بره البيت ده صعبة.
رفعت حاجبها وقالت بوضوح
البيوت مابتتوحشش يا كريم.. الحيطان مابتنطقش. الناس هي اللي بتشتاق، أو بتتعلم إنها تبطل تشتاق وتتعود على الفراغ لحد ما يسكنها.
سكت شوية، والجو بقى تقيل، فكمّلت وهي بتبص في عينيه مباشرة
قول يا كريم.. إنت جيت ليه؟ ومن غير لف ودوران.
وطّى عينيه في الطبق وقال بصوت واطي
كنت بفكر.. يمكن ندي لنفسنا فرصة تانية. ليلى محتاجة وجودي، وأنا اكتشفت إني مش قادر أكمل من غيركم.
قامت دينا وراحت ناحية الشباك، بصت للشارع اللي بدأ يهدى، وقالت من غير ما تبصله
لا يا كريم.. إنت مش مش قادر تعيش من غيرنا. إنت بس مش قادر تعيش من غير الخدمة والراحة. إنت محتاج حد يغسل شرباتك، ويسمع همومك، ويقدم لك أكل سخن في نهاية يومك.
لفت وشها ليه وكملت بقوة
إنت سبتنا