إنتوا بتاكلو و بتتهنوا و أنا ولا حتى بتعبروني.. بقلم منــال عـلـي
الست سنية بصّت لابنها بذهول، عينيها كانت بتبرق بدهشة مخلوطة بخوف مستخبّي.. النبرة اللي اتكلم بيها كريم كانت "جديدة نوفي" عليها، حاسمة وناشفة بطريقة عمرها ما سمعتها منه، ولا كانت تتخيل إن "كريم الهادي" يقدر يطلّعها. ومن غير ما تحس، لقت رجليها بتاخدها وتطيعه من سكان بقلم منــال عـلـي
مشت ببطء كأنها ماشية في غيبوبة ناحية الصالة، وقعدت على طرف الكنبة وهي ضامة شنطتها لصدرها، ساكتة لأول مرة وكأن الكلام هرب منها ومش لاقية رد "يبرد نارها".
أما مريم، ففضلت واقفة مكانها في المطبخ، ساندة ضهرها على الرخامة وماسكة دراعها بتوتر، بتراقب المشهد وعينيها رايحة جاية بينهم.. حست إن اللحظة دي مش مجرد خناقة "حما وكِنة" زي كل مرة، لا.. دي لحظة فاصلة، كأن خيوط حياتهم كلها بتتعقد أو بتتحل دلوقتي متوفره على روايات واقتباسات
كريم طلع موبايله من جيب البنطلون، صوابعه كانت بتتحرك بسرعة على الشاشة، وبعدين لفه ناحية أمه بجمود.
— بصي يا أمي.. شوفي بعينك.
قالها وهو بيمسح على وشه بتعب، وبيوريها سجل التحويلات على "إنستا باي".
— شايفة؟ دي الفلوس اللي ببعتها كل أسبوع من ورا مريم عشان ما أزعلش حضرتك.. أهو، حتى امبارح بالليل كنت باعتلك مبلغ، والرسالة مسمّعة عندك.
الست سنية رمشت كذا مرة، عينيها كانت بتتحرك على الأرقام بعدم استيعاب، وشفايفها اتهزت بكلمات مش مفهومة.
— مستحيل.. أنا ماشوفتش الحاجات دي! الموبايل ما رنش!
مدّت إيدها بلهفة
— إيه ده؟ إنت بتهزر يا كريم؟ عايز تطلع أمك كدابة؟!
— لأ يا أمي.. مش بهزر.
رد بصوت واطي ومستقر، وده اللي خلى الست سنية تترعب أكتر.
— بس كفاية بقى زعيق لمريم.. وكفاية تحسسيني طول الوقت إني "عيل مديون" ليكي بكل نفس باخده في بيتي. إنتِ أمي وعلى راسي من فوق، وبحبك.. بس الوضع ده لو كمل كده، المركب هتغرق بينا كلنا.
الصمت نزل على الشقة "تقيل وزي الرصاص".. مكنش مسموع غير صوت "تكتكة" الساعة وصوت نَفَس "آدم" الهادي وهو غرقان في نومه جوه. ريحة الفراخ بالجبنة والتوم كانت لسه مالية المكان، بس طعم الفرحة بالأكلة كان خلاص اتبخر.
الست سنية بصّت له بصدمة، ودموع حقيقية بدأت تتجمع في عينيها، وقالت بصوت مهزوز:
— إنت بتقول إيه يا كريم؟! أنا اللي شيلت وحطيت، أنا اللي طفحت المر عشان تكبر وتبقى راجل يملى مركزه! دلوقتي عشان "الست دي" بتعلي صوتك عليا وبتحاسبني بالمليم؟!
مريم خدت خطوة لقدام عشان تهدي الدنيا، لكن كريم رفع إيده بإشارة "ستوب" من غير ما يبص لها، وكمل كلامه لأمه:
— لا يا أمي.. بلاش كلمة "الست دي". دي مريم، مراتي وشريكة حياتي اللي بتطحن نفسها شغل بالليل عشان تسدد ديوني. وآدم ده ابننا، مش حمل تقيل ولا غلطة بنتحمل نتيجتها.
نبرته كانت بتزداد قوة مع كل كلمة، كأنه كان شايل جبل على صدره وأخيرًا انزاح.
— طول الوقت بتتعاملي معايا كأني لازم أفضل "خادم"
مريم كانت بتبص له بذهول.. مش مصدقة إن ده كريم اللي كان بياكل في نفسه ويسكت عشان يرضي الكل.. كريم النهاردة اختار يرضي "الحق".
الست سنية قامت وقفت فجأة بنفضة، وشها كان محقن بالدم:
— يعني إيه؟! خلاص بقيت عايز تطرد أمك؟ أنا كان قلبي حاسس إن دي آخرتها من يوم ما اتجوزت "بنت الأقاليم" دي! خلاص.. أمك كبرت وعجزت وبقت حمل على قلبكم!
لفت وشها ناحية الباب بكرامة مجروحة، وبدأت تمشي بسرعة، لكن كريم لحقها عند الطرقة وحط إيده على كتفها بحنية ممزوجة بحزم:
— يا أمي استني.. محدش بيطردك، والبيت بيتك قبل ما يكون بيتي. أنا بس "شديت حيلى" وبقيت راجل مسؤول عن أسرة، ولازم حضرتك تفهمي إن خصوصية بيتي خط أحمر.
سكت ثانية وهو بيبص في عينيها التايهة، وكمل:
— لو محتاجة جزمة، أو لبس، أو حتى عيوني.. هجيبلك، ومن غير ما تطلبي. بس من النهاردة، مريم مش هتسمع كلمة تجرحها تاني.. ولا أنا هسمح لبيتي يتهز بسبب خناقة على "علبة زبدة".
الست سنية بصت له، ولأول مرة ملامحها "تتكسر" فعلاً.. شفايفها ارتعشت والكلام وقف في زورها، كأنها اكتشفت فجأة إن ابنها الصغير كبر مابقاش محتاج "توجيهاتها".
— أنا.. أنا بس كنت عايزاك تبقى أحسن من أبوك.. ما تعيشش طول عمرك "مكسور الجناح" وبتجري ورا القرش والديون والجمعيات.
كريم قرب منها وطبع بوسة على راسها:
— يا
الهدوء رجع تاني يرفرف على المكان.. الست سنية اتنهدت تنهيدة طويلة ومالت بجسمها وقعدت تاني على الكنبة بتعب، كأنها فجأة كبرت عشر سنين في دقيقة واحدة.
مريم دخلت المطبخ بهدوء، صبت كباية شاي "كشري" بالنعناع، وحطت فيها معلقة عسل نحل زي ما حماتها بتحب، وقدمتها لها من غير ما تكسر عينيها فيها.
— اشربي يا طنط.. الشاي ده هيظبط دماغك ويهدي البرد.
الست سنية رفعت عينيها لمريم.. ولأول مرة، نظرة "الشرر" والغل اختفت، وحل مكانها نظرة تيهة واستسلام. هزت راسها بخفة، ومسكت الكوباية بإيديها الاتنين كأنها بتدفي صوابعها السقعانة.
ببطء.. السكينة رجعت للبيت.
ريحة الأكل لسه موجودة، وصوت الساعة بقى مريح مش مزعج، ونفس آدم المنتظم كان هو الموسيقى التصويرية للمشهد.
لما الست سنية لبست جاكيتها وقررت تمشي، وقفت لحظة على عتبة الباب، وبصت لنور الصالة الدافي اللي منعكس على السلم. ولأول مرة من سنين.. حست إن بيت ابنها مش "ساحة معركة" هي لازم تنتصر فيها.. هو بيت، وله أصحابه.
جوه الشقة، كريم قفل الباب وورب الترباس، ولف لمريم اللي كانت عينيها مليانة دموع.. حضنها بقوة وهمس في ودنها:
— حقك عليا.. أنا أسف إني اتأخرت أوي عشان أقول الكلام ده.
مريم ما ردتش.. بس غرزت راسها في كتفه وغمضت عينيها براحة.. لأول مرة من يوم ما اتجوزوا، حست إن الهوا
النهاية