لو الشقه التلات أوض دي إتباعت .. بقلم منــال عـلـي
— "نعم يا عم فاروق؟ حضرتك قلت إيه؟؟؟؟ !!!!"
طلع صوت مي حاد وقوي لدرجة إن الصالة كلها سكتت فجأة وكأن على رؤوسهم الطير. بقلم منــال عـلـي
الكل بص لها بذهول..
الست سنية وقفت مكانها والسكينة في إيدها، وكريم رمى عينه في الطبق اللي قدامه وكأن الرز فجأة بقى أهم حاجة في حياته متوفره على روايات واقتباسات حماها ابتسم ابتسامة باردة صفرا وقال:
— "مالك بس يا بنتي؟ أنا قولت حاجة غلط؟ الشقة واسعة، تتباع وتجيب شقتين صغيرين.. والشباب يستفيدوا ويستروا نفسهم. ما إحنا أهل، والأهل لبعضهم يا مي."
مي ردت بهدوء، بس نبرة صوتها كانت زي السيف:
— "الأهل مش معناها إن الناس تمد إيدها في شقى غيرها.. والشقة دي مش ملك مشاع للكل، دي شقتي أنا، وتمنها مدفوع من دمي."
الست سنية ضحكت ضحكة مستفزة وقالت:
— "يا بنتي بعد الجواز مفيش حاجة اسمها (بتاعتي وبتاعتك).. خلاص، بقيتوا لحم ودم وكيان واحد."
— "لأ، فيه يا طنط" — ردت مي بسرعة — "خصوصاً لما يبقى فيه طرف طول الوقت بياخد وبس، ومبيفكرش غير في مصلحته.". بقلم منــال عـلـي
كريم رفع عينه أخيراً وقال بتوتر وهو بيحاول يلم الدور:
— "يا مي، بلاش تكبري الموضوع وتعملي أزمة.. بابا بيهزر معاكي."
لفت بصت له بصدمة وقالت:
— "بيهزر؟ وساكت ليه كل مرة حد (بيهزر) عليا
الصمت نزل على المكان..
حتى صوت الساعة بقى له رنة، وصوت صينية البط وهي بتكتك جوه الفرن بقى مسموع متوفره على روايات واقتباسات
أحمد أخوه اتحرك في كرسيه وهو مش على بعضه، وندى خطيبته وطت راسها في الأرض وكأنها بتدعي الأرض تنشق وتبلعها.
طنط سنية نفخت بضيق:
— "الله! كنا قاعدين بناكل لقمة هنية.. لازم كل مرة تنكدي علينا وتعملي قصة؟ انتي قماصة وحساسة زيادة يا مي."
مي حطت طبق السلطة الروسي على السفرة براحة شديدة وقالت:
— "عارفين؟ أنا ماشية."
كريم قام إتفزع:
— "ماشية تروحي فين؟"
— "على بيتي."
— "طب والعشا؟"
— "كلوا بالهنا والشفا من غيري."
لبست البالطو بتاعها، ومسكت شنطتها..
ولا واحد فيهم نطق بكلمة يوقفها، ولا حتى كريم حاول يرضيها.
كل اللي سمعته وهي بتقفل الباب، صوت حماها وهو بيبرطم:
— "البنت دي أعصابها تالفة ومش طبيعية."
قفلت الباب وراها بكل قوتها.
هوا السلم كان ساقع وبيرد الروح. وقفت ثواني تاخد نفسها، وقلبها بيدق زي الطبل.. بس لأول مرة من سنين، حست براحة ملهياش وصف.
ولما رجعت شقتها، استقبلها الهدوء اللي بيطبطب عليها. بقلم منــال عـلـي
ريحة النظافة اللي بتعشقها، نور العواميد اللي رامي ضله من الشباك، والسكون اللي كان دايمًا هو ده الأمان
قعدت على الكنبة.. نفس الكنبة اللي جابتها بعد سنين كفاح وقسط وتوفير.
مشت إيدها على القماش وهمست لنفسها: — "شقتي.."
بعد حوالي ساعة، كريم رجع.
دخل بالراحة، قفل الباب، ووقف يبص لها من بعيد لبعيد.
— "يا مي.. كان لازم يعني العرض اللي عملتيه ده؟"
قالها بلوم وعتاب وكأنها هي اللي غلطانة.
— "أهلي نيتهم صافية وميقصدوش حاجة.. انتي عارفاهم، هزارهم غشيم شوية."
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع:
— "هزار؟ أنا تعبت يا كريم.. تعبت أبقى الحيطة المايلة اللي الكل يتسلى عليها. تعبت أبقى مجرد (تكملة عدد) بيقرروا يغيروا مكاني وقت ما يحبوا."
قرب منها خطوة عشان يمسك إيدها، بس هي سحبتها فوراً.
— "أنا بدأت أشيل القرش على القرش للشقة دي من وأنا عندي تمنتاشر سنة. جنيه فوق جنيه.. حرمت نفسي من اللقمة والهدوم عشان أبقى (ست بيت) بجد. مش هسمح لحد يهد تعبي عشان يظبط خطط ناس تانية."
قال بصوت واطي: — "أنا مطلبتش منك تتنازلي عن حاجة."
بصت له بعين قوية: — "بس عمرك ما فتحت بقك بكلمة تدافع عني."
سكت ومباش عنده رد.
فضل باصص للأرض شوية، وبعدها قال: — "انتي كده بتحطيني في اختيار صعب بينك وبين أهلي."
هزت راسها بهدوء: — "لأ يا كريم.. أهلك هما اللي حاشرينك في النص. أنا كل اللي عملته إني قررت أصون
رفع عينه ليها، وكان باين عليه التوهان.. لا قادر ياخد موقف مع مراته، ولا قادر يزعل أهله.
وفي الآخر قال: — "أنا هروح أقعد عند أمي كام يوم."
أخد الجاكيت بتاعه وخرج.
مي فضلت قاعدة مكانها، وبعد شوية قامت فتحت الشباك على آخره.
الهوا دخل بارد ومنعش، وصوت الشجر كان بيطمنها.
وفجأة.. حست إنها خفيفة زي الريشة، كأن جبل انزاح من فوق صدرها.
بعد ست شهور، الحكاية خلصت والجواز انتهى.
من غير خناقات ولا فضايح.. في هدوء تام.
كريم اتجوز واحدة تانية، طيبة و"ماشية جنب الحيط"، ومعندهاش لا شقة تلات أوض ولا طموح ولا وجع دماغ.
طنت سنية متصلتش ولا مرة.. وعمي فاروق لما عرف بالطلاق، كشر وقال: — "نصيب، كل واحد بياخد رزقه."
أما مي.. ففي صباح يوم جمعة هادي، عملت قهوتها، ووقفت قدام الشباك تتفرج على الدنيا من مملكتها.
ساعتها بس فهمت إن كل حاجة حواليها بقت ملكها بجد.
من غير خوف من بكرة.. من غير إهانة.. ومن غير ما تضطر تبرر هي ليه ناجحة وتعبة.
حياتها..
روقان بالها..
وحيطان بيتها.. ملكها هي وبس.
ابتسمت، وفتحت الدولاب، وطلعت الجزمة القديمة اللي كانت بتلبسها وهي لسه بتحوش من أول مرتب قبضته في حياتها.
حطتها جنب السرير عشان تفضل تفكرها هي بدأت منين.
لأن الطريق لكرامتك.. بيبدأ لما تبطلي تعتذري
تمت .. بقلم منــال عـلـي