كبرتي و تخنتي.. بقلم منــال عـلـي
الأوضة كانت ريحتها خليط بين الريحان وريحة الدوا المكتومة.
الهوا كان دافي وتقيل شوية، كأنه بطانية صوف مخبية كل الأصوات اللي في البيت. بقلم منــال عـلـي
الحاجة ليلى كانت قاعدة على كرسيها المريح اللي جنب الشباك، متغطية بـ "شال" كروشيه، وجنبها واقفة بنت.. برعم لسه بيفتح، عندها بتاع ٢٥ سنة، شعرها أسود وناعم زي الحرير، ولابسة بالطو نبيتي شيك. بقلم منــال عـلـي
وقفت في مكاني مسمّرة، وعقلي رافض يستوعب المشهد اللي قدامي.
— دي.. — الكلام اتلجلج في لساني. — مؤاخذة يا حاجة، افتكرتك لوحدك.
— يا أهلاً يا منى! — قالتها الحاجة ليلى بفرحة طفولية، ولا هي حاسة بالكهرباء اللي ملت الجو فجأة. — تعالي يا حبيبتي.. أعرفك. دي سارة.. كريم كان بيقول إنكم اتقابلتوا قبل كده.. ولا أنا خرفت وبقيت بتهيألي؟
حسيت إن الډم اتجمد في عروقي مرة واحدة متوفره على روايات واقتباسات
يبقى هي دي.. "البنت الصغيرة".
كانت بتضحك برقة مصطنعة وهي بتظبط شعرها، وبتبصلي بصه فيها "صعبانية" على استعلاء خفيف.. كأني حتة عفش قديمة ومكركبة وصاحب البيت نسي يبيعها مع الروبابيكيا.
— آه.. اتقابلنا، — قلتها وأنا مربعة إيدي ومثبتة عيني في
وش سارة قلب ألوان، وهزت راسها بسرعة وهي بتبص في الأرض، زي طالبة بليدة اتقفشت وهي بتغش.
أما الحاجة ليلى، فكانت في عالم تاني خالص.. فضلت تحكي عن دوا السكر الجديد، وعن جارتها اللي "مصدعاها" بصوت التليفزيون العالي. بقلم منــال عـلـي
وأنا واقفة هناك، سامعة طشاش، وفاهمة إن كريم لسه "عامل عملته" وموجود في كل ركن.. حتى هنا.
في ريحة الحيطان.. في الصمت اللي بيسبق العاصفة.. في كل ذكرى بايتة هنا.
— اقعدي اتعشي معانا يا منى، — قالت الحاجة ليلى بحب. — ده أنا عاملة شوية شوربة فراخ ترم العضم، وكريم قال إنه هيعدي علينا ياخد سارة بالليل.
كريم هييجي هنا؟
يا أهلاً بالمعارك.
بصيت في ساعتي، وبعدين بصيت لسارة اللي كانت ھتموت وتختفي من قدامي.
وفجأة.. حسيت إني مش عايزة أمشي.
مش عايزة أهرب وأسيب لها الملعب "سداح مداح".
— ماشي يا حاجة، — قلتها بكل برود الدنيا. — هقعد.. ده أنا حتى واقعة من الجوع.
قعدنا ناكل في صمت قاټل.
صوت الملاعق وهي بتخبط في الطبق كان أوضح من ضربات قلبي.
سارة كانت بتحاول "تتغندر" وتفتح مواضيع مع الحاجة ليلى: تسألها عن كريم وهو صغير، وعن صوره وهو في المدرسة،
أما أنا.. فكنت "متربعة" وباكل في صمت.
ببص.. وبحفظ كل حركة.
كل نظرة "مکسورة" منها.. وكل تمثيلية "كياد" بتحاول تعملها.
كنت بجمع ملامح "الحياة الجديدة" اللي كريم اختارها لنفسه.. عشان أشبع منها وأرميها ورا ضهري.
ولما باب الشقة اتفتح ودخل كريم.. كنت خلاص على وشك إني أضحك.
وقف مكانه كأنه لمس "سلك عريان".
عينه راحت مني لسارة.. وبعدها لأمه.. والارتباك خلاه مش عارف يودي إيده فين. بقلم منــال عـلـي
— منى؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟ — صوته اتهز وكأنه هو اللي حس فجأة إنه "كبر" وصغر في نظر نفسه.
— جيت أشرب شوربة، — قلتها وأنا بقوم بتمهل وبمسح إيدي بالمنديل. — وجيت أفكرك بحاجة مهمة إنت نسيتها في زحمة "الجديد".
ضغط على سنانه وبانت عروق وشّه، وكان باين إنه هينفجر فيا. بس أنا ما اديتلوش الفرصة دي.. قمت من على الكرسي وقربت منه خطوتين، مالت عليه وهمست في ودنه بصوت واطي بس واثق:
— "نسيت أقولك يا كريم.. إنك لما جيت تختار 'واحدة صغيرة' عشان تحس بشبابك، اخترت واحدة شبهي بالظبط من عشرين سنة.. نفس الملامح، ونفس الطيبة الهبلة اللي كانت عندي.. إنت ما هربتش مني يا كريم، إنت رحت تدور على نسخة
بصيت لملامح وشه اللي اتخطفت، وسبته واقف مكانه مش عارف ينطق حرف.
قربت من الحاجة ليلى، بوست راسها، وقلت لها بصوت واطي ومسموع:
— خدي بالك من نفسك يا حبيبتي.. بقى عندك "همّين" دلوقتي بدل هم واحد.. ربنا يقويكي.
وبعدين لفت وشي لسارة، وبصيت لها بابتسامة "نصر":
— وإنتِ.. بالتوفيق يا شاطرة. هتحتاجي توفيق كتير أوي في اللي جاي.. خصوصاً لما تكتشفي إن الشنطة الرمادي إيدها لسه مکسورة!
ومشيت من غير ما أبص ورايا ولا بصه.
المطر كان لسه بينقر على وشي في الشارع.. بس لأول مرة أحس إنه "بيغسل" قلبي، مش بيوجعه.
قدام العمارة قعدت على دكة خشب قديمة ومقشرة.
طلعت موبايلي، وفتحت أبلكيشن حجز رحلات.
دهب.. شرم.. الجونة.. مش فارقة.
المهم إني أبعد.
المهم إني ألاقي "منى" اللي تاهت وسط المواعين والهدوم المكوية.
وأعتقد إن دي كانت أول ليلة من سنين طويلة أعرف أتنفس فيها بجد.
من غير خنقة.. من غير ۏجع قلب.. ومن غير ظل حد كاتم على روحي.
وفي سري كنت بكرر نفس الكلمة اللي قلتها له وهو ماشي:
“بالتوفيق..”
بس المرة دي.
تمت