خدي الورث و خديها معاكي.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

نزلت السلم وأنا بعد الدرجات.. ١٩ درجة.. نفس عدد السنين اللي عشتها في الشقة دي قبل ما أسيبها أول مرة.
وقتها سبتها عشان أروح الجامعة في محافظة تانية وكنت فاكرة إني بدأت حياتي.. بس أمي تعبت ورجعت.. عشان ده "واجب البنت الأصيلة".. وعشان كنت فاكرة إنها أخيراً هتحس بيا.. بس ده محصلش. بقلم منــال عـلـي 
بره الشارع وقفت تاكسي.. السواق كان راجل كبير وشكله طيب ساعدني في الشنطة متوفره على روايات واقتباسات 
«على فين يا بنتي؟»
أديته عنوان الشقة اللي أجرتها من أسبوع.. أوضة وصالة في آخر الدنيا، بس بتاعتي أنا.
في الطريق كنت ببص على الشوارع اللي حافظاها.. الفرن اللي كنت بشتري منه الفطير لأمي.. الصيدلية اللي بقيت صاحبة الصيدلي فيها من كتر ما بشتري أدوية.. الجنينة اللي كنت بتمشى فيها بكرسي أمي المتحرك.
موبايلي اتهز.. رسالة من منى:
«هناء، ماما بتعيط.. بتقول إنك جاحدة.. وبتقول إنها كانت بتحبني أكتر عشان أنا على الأقل مش بحاول أتحكم فيها زيك».  بقلم منــال عـلـي 
ابتسمت بمرارة.. "تحكم"..

يعني إني أفكرها بالدواء بقى تحكم؟ وإني أمنعها من الأكل المسبك عشان صحتها بقى تحكم؟ وإني أصرف كل مليم حيلتي على علاجها بقى تحكم؟
رسالة تانية وصلت:
«إنتي عارفة إنك وحشة؟ ماما بتقول إنها كانت بتتكسف منك قدام الناس.. بتقول إني أنا فخرها وإنتي خيبتها».
قفلت الموبايل ورميته في الشنطة.. كفاية كدة.
الشقة الجديدة استقبلتني بهدوء غريب.. هدوء عمري ما عرفته.. مفيش حد بينده عليا.. مفيش حد بيطلب حاجة.. قعدت على الأرض وعيطت في صمت.
ماعيطتش على الشقة ولا على الميراث.. عيطت عشان كان عندي "أمل".. أمل إن أمي تقول لي في يوم "تسلم إيدك يا هناء".. أو إن منى تقول لي "أنا آسفة".
بس ده محصلش.
تاني يوم، جارتي الجديدة خبطت عليا ومعاها طبق كيك.. وبعدها الناس بدأت تساعدني أرتب العفش.. ومع الأيام، بدأت أعيش بجد بقلم منال علي 
ولما فتحت موبايلي أخيراً، لقيت عشرات الرسائل والمكالمات من منى..
بس أنا كنت خلاص، شطبت.عدت سنة كاملة..
سنة كانت في الأول صعبة، صمت الشقة الجديدة كان بيخنقني، كنت لسه بصحى مفزوعة الساعة ٣ الفجر
فاكرة إن أمي بتنده عليا عشان كوباية مية أو عشان قلبها وجعها.. كنت بقوم أجري، وبعدين أفتكر إني لوحدي، فأقعد على طرف السرير وأعيط لحد ما الصبح يطلع.
بس مع الوقت، الصمت ده بقى "سلام". بدأت أهتم بنفسي، شكلي اللي كان دبلان من قلة النوم رجع فيه الروح، شغلي اللي كنت بعمله "تأدية واجب" بقى بيكبر، وبقيت بطلع منه طاقة إبداع مكنتش أعرف إنها عندي.
في يوم، كنت قاعدة في كافيه صغير بخلص شغل على اللابتوب، لقيت رقم "منى" بيتصل.. قلبي دق، بس المرة دي مكنش خوف، كان شفقة. فتحت الخط.
«ألو.. هناء؟ الحقيني يا هناء.. ماما تعبانة قوي، والست اللي بتيجي تساعدني مشيت وسابتنا، وأنا مش عارفة أعمل إيه.. أنا بعت المصيف عشان أصرف على علاجها بس الفلوس بتخلص، والبيت هنا بقى يضرب يقلب.. تعالي بس يومين، يومين اتنين بس ريحييني!»
صوت منى كان فيه انكسار حقيقي، بس مكنش انكسار ندم، كان تعب من "المسؤولية" اللي مكنتش عاملة حسابها.
أخدت نفس طويل وقلت بهدوء:
«يا منى، إنتي معاكي الشقة، ومعاكي الفلوس اللي باقية.. أجري ممرضة شاطرة، أو
شوفي دار رعاية محترمة تتابعها.. أنا خلاص، "الابنة الجيدة" اللي جوه مني ماتت من سنة.. أنا دلوقتي هناء بس».
«إنتي إزاي قاسية كدة؟ دي أمك! هتسيبيني أشيل الشيلة لوحدي؟»
«أنا شلتها تلات سنين وإنتي بتتفرجي، ومسمعتش منك ولا منها غير التجريح.. دلوقتي الدور عليكي "يا بنت قلبها"، وريها الحب اللي كانت بتتباهى بيه».
قفلت السكة.. دموعي نزلت، بس كانت دموع "وداع" مش "وجع".
بعد شهر، عرفت من واحدة جارتنا قديمة إن منى باعت شقة وسط البلد ونقلت أمي في شقة أصغر، وإنها جابت ممرضة مقيمة معاهم.. عرفت كمان إن أمي كل ما حد يزروها، تقعد تشتكي من "قسوة منى" وإنها "مش حنينة زي هناء".
ضحكت بمرارة.. دلوقتي بس بقيت حنينة؟ دلوقتي بس افتكرتي؟
فتحت شباك أوضتي الصغيرة، الهوا كان نضيف، والشمس كانت مالية المكان. بصيت لنفسي في المراية، مكنتش "قبيحة" زي ما قالت لي في الرسائل، كنت ست قوية، وشها فيه علامات تعب بس عيونها فيها لمحة حرية.
مسحت دمعة كانت هتنزل، وفتحت اللابتوب عشان أكمل شغلي.. الحياة لسه فيها قصص تانية محتاجة تتكتب،
وقصتي أنا..

 يادوب بدأت.

تمت

تم نسخ الرابط