ساعه الحساب .. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

وقفت سارة متجمدة على عتبة أوضة النوم، مراقبة جوزها "محمود" وهو بيظبط الكرافتة قدام المراية وريحته قالبه المكان. بقلم منــال عـلـي 
— حودة، ماشفتش الحلق الياقوت بتاعي؟ اللي بذهب أبيض وماما كانت جيبهولي في عيد ميلادي التلاتين؟
محمود فضل يلعب في الكرافتة ولا كأنه سامع حاجة، حتى مابصش في وشها.
— لأ، معرفش مكانه فين.. ليه؟ هو فص وملح وذاب؟ بقلم منال علي 
سارة قربت من التسريحة وفتحت علبة الذهب.. وحواجبها اترفعت من الصدمة. في "خانات" فاضية مكان الغويشة واللسلسة، وحاجات تانية تقيلة كانت شايلاها للزمن.
— غريبة.. ده مش الحلق بس اللي مش موجود.. — صوت سارة كان بيتهز من القهرة متوفره على روايات واقتباسات 
محمود لف أخيرًا ورمى نظرة سريعة على العلبة المفتوحة.
— تلاقيكي إنتي اللي شيلتيهم في حتة ونسيتي، أو لبستيهم في فرح ورميتيهم في أي درج؟ — صوته كان بارد برود مستفز، حتى لواحد دايما مشغول زيه.
— يمكن.. — هزت سارة راسها وهي بتقفل العلبة، بس قلبها كان بيتعصر.. الذهب ملهوش رجلين عشان يهرب لوحده. بقلم منــال عـلـي 
محمود باسها بسرعة على خدها وقال:
— لازم أمشي، اتأخرت.. نبقى ندور عليهم سوا لما أرجع بالليل، قشطة؟
سارة هزت راسها آليًا، بس طبعًا محدش دور على حاجة. محمود رجع نص الليل ورمى جثته على السرير وهو بيتمتم إن "اليوم كان مطحنة".
في الأسابيع اللي بعد كده، سارة لفت لسانها وسكتت.. وابتدت تراقب بس. لا عملت نمرة ولا واجهته بكلمة، عشان مكنش عندها دليل يمسكه.. بس

عينيها كانت "رادار" شايف كل حاجة.
في يوم، كانوا معزومين عند "حماتها" على الغدا.. وهما قاعدين، سارة لمحت "ساعة" جديدة في إيد "كريم" أخو جوزها. ساعة براند غالية جداً، بمينا ضخمة وسير جلد شيك.. وكريم أصلاً عمره ما كان بتاع شغل ولا "الفلوس بتعرف طريق إيده".
— ساعة شيك أوي يا كيمو، — قالت سارة ببرود وهي واقفة معاه في المطبخ بتعمل الشاي — جديدة دي؟
— آه، دي؟ — كريم رفع إيده يتمنظر بالساعة وضحك بتبجح — لسه واصلة من كام يوم.
— شكلها تقيل أوي، إنت من إمتى بتجيب الحاجات الغالية دي؟
هز كريم كتافه وقال:
— "السبوبة" مشيت شوية.. دخلت في استثمارات وجابت همها.
— في إيه لو مش سر؟ — سارة سألت وهي بتحاول تبان "قريبة فضولية" مش أكتر.  بقلم منــال عـلـي 
— آه.. في العملات الرقمية.. بيتكوين والحاجات دي، — كريم اتهته وبان عليه التوتر.
— آه، بيتكوين.. — سارة قالتها ببطء — دي مصلحة أوي، حتى محمود كان بيكلمني عنها قريب.
— نعم.. نعم، ما إحنا دخلنا فيها سوا، — كريم رمى الكلمة بسرعة عشان يقفل الكلام.
بعد شهر، كريم ظهر في عيد ميلاد والدته بموبايل "أحدث موديل"، وبعدها بجمعة واحدة كان بيحكي إنه دفع مقدم عربية زيرو.. وكل ده وهو "موظف" في شركة سارة عارفة كويس إن حالها واقف.
الشك في قلب سارة بقى نار، ولما اكتفت إن "بروش" جدتها الأنتيك اختفى هو كمان، البركان اللي جواها انفجر.
في الليلة دي، لما محمود رجع، استقبلته سارة زي العادة.. عشاء وضحكة صفرا، بس عينيها كانت أبرد من التلج. كانت بتخطط
لـ "ضربة" تنهي الحوار ده كله.
بعد أسبوع، حماتها "الحاجة سعاد" عزمتهم بمناسبة ذكرى جوازها.
— حودة، قول لماما إني ممكن أتأخر شوية عشان "التقفيل" في الشغل.. إنت عارف الحسابات والضغط!
— طب بلاش تروحي أحسن؟ — محمود قالها بنبرة فيها أمل إنها ماتحضرش.
— لا طبعاً، ده أنا هجيلكم بـ "طلة" ماتتنسيش! — ابتسمت سارة وسابت محمود وهو مش مرتاح.
في العزومة، سارة وصلت متأخرة نص ساعة.. كانت عاملة فورمة شعر مبرزة رقبتها، وحاطة مكياج "سموكي" قوي.. بس المهم كان الذهب اللي لابساه: الحلق الياقوت، البروش، القلادة، والغويشة.. كل الحاجات اللي كانت "مختفية" من علبتها!
فتحت الباب، ومحمود أول ما شافها اتخشب مكانه.. عينيه كانت هتقع على الياقوت اللي في ودنها.
— مالك يا حودة؟ بتبصلي كده ليه؟ — سألت سارة ببراءة.
— لا.. أبداً.. أصلك زي القمر النهاردة، — محمود اتهته ووشه بقى لونه ليمونة.
في الصالة، كانت الحاجة سعاد، وكريم ومراته "هالة"، وأصحاب العيلة قاعدين.
أول ما كريم شافها، الشوكة وقعت من إيده.. عينه زغللت من لمعة الذهب. سارة بصتله وضحكت ضحكة خفيفة خلت وشه يحمر ويسود.
لما جت لحظة التورتة، سارة حطت الشوكة وقالت بصوت مسموع:
— تخيلوا يا جماعة إيه اللي حصل معايا!
الكل انتبه، ومحمود حس إن الأرض بتتهز تحت رجله.
— أنا لقيت الدهب بتاعي اللي كان مسروق.. ولقيته فين؟ في "محل رهن" في وسط البلد!
البيت كله سكت سكتة الموت.. كريم وشه بقى "شوارع"، ومحمود الكاس في إيده كان هيتكسر.
— محل رهن؟ — حماتها سألت بصدمة
— وإيه اللي وداه هناك؟
— ده اللي كنت بسأله لنفسي.. — سارة بصت لمحمود مباشرة — في حد دخل شقتنا و "لطش" حاجتي ورهنها.. حتى بروش جدتي مكسوفش يبيعه.
هالة (مرات كريم) قالت بخوف: — يمكن حد من الشغالين؟
— لا يا حبيبتي، صاحب المحل "بصمج" الحرامية.. والمفاجأة إنهم كانوا جوزي وأخوه!
محمود حاول يلم الموضوع: — سارة، إحنا ممكن نفهمك..
— تفهمني إيه؟ — قطعت كلامه بحدة — إنكم "حرامية غسيل"؟ سرقتوا ذهبي عشان "سبوبة" البيتكوين الفاشلة بتاعتكم؟
حماتها بدأت تعيط: — ده بجد يا محمود؟
سارة كملت ببرود: — محمود خد المفاتيح، وكريم كان "السمسار" اللي بيبيع.. رجالة بجد!
محمود حاول يجرها من إيدها: — سارة، خلينا نتكلم في بيتنا..
— مفيش بيت، — قالتها وهي بتسحب إيدها — أنا رفعت قضية خلع خلاص، والشقة اللي إحنا فيها ملكي ومكتوبة باسمي، تلم هدومك وتطلع منها دلوقتي.
كريم حاول يزعق: — إحنا عيلة واحدة!
— العيلة مابتسرقش بعضها يا كيمو، — بصت لحماتها — والشقة اللي إنت وقاعد فيها إنت وهالة يا كريم، دي برضه شقة بابا الله يرحمه وهي باسمي.. قدامكم أسبوع وتفضلوها.. وروني بقى "البيتكوين" هيسكنكم فين!
لبست سارة شنطتها ووقفت عند الباب:
— بالمناسبة.. أنا رحت اشتريت ذهبي كله من محل الرهن.. وطلع تمنه أغلى بكتير من الملاليم اللي ختوها.. حتى في السرقة "خايبين".
خرجت سارة في الهوا الساقع، وهي بتتنفس بعمق.. حاسة بوجع، بس حاسة إنها حرة.
بعد أسبوع، غيرت الكوالين، ومسحت نمرهم كلهم.
أحياناً، عشان تبدأ صح، لازم "تقص" الضوافر
اللي بتخربش في حياتك.. وسارة كانت عارفة إنها اختارت الصح.

تم نسخ الرابط