سر الدرج القديم .. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

محمود وقف مكانه، كأنه اتسمّر في الأرضية الباركيه اللي بدأت تزيق تحت ثقل الحقيقة. الورقة في إيده كانت بتترعش، وصوت خشخشتها في السكون كان أعلى من أي صراخ. هالة كانت واقفة قدامه، ملامحها اللي كانت دايماً هادية ورقيقة، اتحولت لتمثال من صخر.. نظرة عينيها كانت "حادة" لدرجة إن محمود مقدرش يثبت عينه فيها.  بقلم منــال عـلـي 
— "إيه يا محمود؟ ساكت ليه؟" هالة قالتها وصوتها طالع "مبحوح" من كتر القهر اللي حبسته سنين. "الورقة دي مش مجرد تنازل عن حتة خرسانة.. الورقة دي صك عبودية إنت كنت ماضي عليه وإنت مش دريان. عشر سنين وأمك مغلغلة فينا إننا عايشين بجميلها.. عشر سنين وأنا بتهان في كرامتي وبتحمل تطفلها عشان (خاطر الست اللي فاتحة لنا بيتها).. وفي الآخر تطلع الشقة شقتك؟"
محمود لسه مذهول، لسانة كان مربوط، ملقاش غير جملة واحدة يدافع بيها عن صدمته:  بقلم منــال عـلـي 
— "يا هالة.. دي أمي.. يمكن خافت الورقة تضيع.. يمكن.."
— "يمكن إيه؟!" هالة قطعت كلامه بصرخة مكتومة وهي بتخبط بإيدها على ترابيزة السفرة. "الورقة كانت مستخبية في قاع النيش، تحت مفرش قديم، ومتشالة بعناية كأنها سر عسكري! أمك كانت بتلعب بينا يا محمود.. كانت بتستمتع وهي شايفاني بلم هدومي في أكياس عشان (مش مناسبة لسنك).. كانت بتستلذ وهي بتفتح عليا الباب وأنا نايمة عشان تحسسني إني غريبة في بيتي.. كانت بتمارس (سلطة وهمية) عشان تكسر عيني قدامك.. وإنت كنت بتساعدها بكلمة (معلش دي أمه بقى)!"
في اللحظة دي، تكة الكالون

المشؤومة حصلت. التكة اللي هالة كانت بتترعش منها، المرة دي خلت دمها يغلي. الباب اتفتح، ودخلت الحاجة سنية بطلتها الواثقة، شايلة كيس فاكهة تقيل، وبتقول ببرودها المعتاد:
— "يا ساتر يا رب.. الشوارع بره زحمة قوي.. قومي يا هالة اغسلي الفاكهة دي وحطيها في التلاجة.. وبلاش تحطيها في الدرج اللي تحت عشان بيبوظها."
محمود رفع الورقة قدام وشها من غير ولا كلمة. متوفره على روايات واقتباسات 
الحاجة سنية اتجمدت مكانها.. الكيس وقع من إيدها، والبرتقال اتدحرج على الأرض في كل حتة، كأنه "بيفضح" كل المستور. الابتسامة اللي كانت على وشها اتبخرت، وحل مكانها نظرة "رعب" حقيقية.. نظرة حد اتكشف وهو بيمثل دور البطولة وهو الحرامي.
— "إيه اللي جاب الورقة دي هنا؟" الحاجة سنية سألت وصوتها كان فيه رعشة حاولت تداريها بقوة مصطنعة. "إنتوا فتشتوا في حاجتي؟ إنتوا قلبتوا النيش ورايا؟"
هالة ضحكت ضحكة وجع عالية:
— "حاجتك؟! الشقة دي شقة ابنك يا حاجة سنية.. والورق ده كان لازم يطلع للنور من زمان. إنتي مش بس خببتي حق محمود.. إنتي دمرتي إحساسي بالأمان في بيتي. كنتي بتدخلي علينا بليل والنهار كأنك صاحبة فضل، وإنتي في الحقيقة كنتي بتمثلي دور مش دورك متوفره على روايات واقتباسات 
الحاجة سنية بدأت تنهج، وسندت على ضهر الكرسي، وبدأت نبرتها تتحول لـ "المظلومية" اللي بتجيدها:
— "كنت خايفة يا محمود.. خايفة مراتك تاخدك مني.. خايفة لو عرفت إن الشقة ملكك، تقول لأمك (متجيش).. كنت عايزة أفضل أحس إني (كبيرة البيت).. إني لسه
ليا كلمة عليك.. يا ضنايا أنا عملت كدة عشان أحافظ على لمتنا!"
هالة قربت منها خطوة، وبصت في عينيها بقوة:
— "اللمة مبتجيش بالذل يا حاجة سنية.. ولا بتيجي بكسر الخواطر. إنتي محبيتيش محمود.. إنتي حبيتي (امتلاك) محمود. والنهاردة، اللعبة خلصت."
التفتت لمحمود اللي كان واقف تايه بين نارين، وقالت له بصوت واطي وموجوع:
— "الورقة دي يا محمود هي اختبارك الأخير. يا تاخد حقك وتعرف ترسم حدود لبيتك وكرامة لمراتك.. يا تفضل الابن اللي أمه كاسرة عينه بسر مخبياه. أنا ماشية يا محمود.. والمرة دي مش هفتح الباب بمفتاحي.. أنا هسيبه موارب.. لو عرفت تقفله في وش أي تطفل، ابقى تعالى وهاتلي حقي.. ولو فضلت (ابن أمك) وبس.. يبقى الشقة مبروكة عليك وعلى (صاحبة الملك)."
هالة خدت شنطتها، وخرجت بجد، وسابت وراها سكون مرعب.. ومحمود واقف قدام أمه، في إيده "الحقيقة" اللي اتأخرت عشر سنين، وفي قلبه "وجع" ملوش دوا.
مر أسبوع كامل.. هالة مكنتش بتعمل حاجة غير إنها بتبص للموبايل، مستنية "قرار" مش مجرد "اعتذار". كانت قاعدة في بيت أهلها، وسط هدوء هي مش متعودة عليه، بعيد عن صوت تكة الكالون اللي كانت بتخرم ودنها كل يوم.
وفجأة.. الموبايل رن. محمود كان باعت لها صورة.  بقلم منــال عـلـي 
فتحت الصورة وإيدها بترعش.. كانت صورة لـ "كالون جديد" لسه راكب على باب الشقة، ومعاه "ترباس" داخلي متين، وجنبه ورقة مكتوب عليها بخط إيد محمود:
"البيت ده ملوش غير صاحبة واحدة.. ومفتاحه ملوش نسخة تانية غير معاكي."
وبعدها بدقائق، محمود
كان واقف تحت بيت أهلها. أول ما شافته، ملامحه كانت متغيرة، كأن "الهم" اللي كان كاسر ضهره انزاح. قرب منها ومد إيده بشنطة صغيرة فيها "الميدالية" القديمة، بس من غير مفتاح أمه.
— "هالة.. أنا مش هقولك (دي أمي) المرة دي.. أنا هقولك (دي مراتي وحياتي). أنا روحت لأمي، ورجعت لها الورق، وقلت لها إن مكاني في قلبها محفوظ، بس مكاني في بيتي (محرم) على أي حد غيري أنا وإنتي. غيرت الكالون يا هالة.. وبلغتها إن الزيارة بميعاد، وبجرس.. زينا زي أي حد غريب."
هالة بصت في عينيه، شافت فيها "الراجل" اللي كانت مستنياه يظهر من سنين. الراجل اللي عرف يفرق بين "البر" وبين "الاستباحة".
— "وأمك يا محمود؟ وافقت؟"
— "اتصدمت.. عيطت.. حاولت تتهمني بالحقوق.. بس لما لقيتني واقف صلب، استسلمت. عرفت إن اللعبة خلصت، وإنها لو خسرتني كـ (تابع)، هتكسبني كـ (ابن) بيحبها بجد مش بخوف. هي دلوقتي في بيتها.. وإحنا دلوقتي راجعين لبيتنا.. البيت اللي بجد يا هالة."
رجعت هالة الشقة.. وقفت قدام الباب، حطت مفتاحها الجديد في الكالون، ولفته.. الصوت كان ناعم، خفيف، صوت "أمان". دخلت البيت، لقت محمود شايل برواز صغير فيه "ورقة التنازل" القديمة، وعلقه في الصالة، مش عشان يفتكر الغدر، بس عشان يفتكر اللحظة اللي "الحرية" فيها غلبت السيطرة.
تلاجة "إيديال" القديمة كانت لسه بتزيق، بس المرة دي الصوت مكنش مزعج.. كان صوت "حياة" هما اللي اختاروا تفاصيلها بجد. قعدت هالة على الكنبة، سندت راسها على كتف محمود، ولأول مرة من سنين.. نامت وهي مش خايفة
من "تكة" الكالون اللي جاية.
تمت.

تم نسخ الرابط