شال حرير و رساله منسيه .. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

— «يعني أنا المفروض أعيد على الست والدتك في كل مناسبة وأشتري لها هدايا غالية، وإنت ما تقدرش حتى تبعت رسالة لوالدتي؟ هو ده اللي اتعلمته؟»
«أحمد… ما تنساش، بكرة عيد ميلاد ماما.».   بقلم منــال عـلـي 
ندى قالتها وهي واقفة قدامه، لكنه لوّح بإيده من غير ما يرفع عينه من اللابتوب اللي كان فاتحه على شغل وجداول وميزانيات. الحركة ما كانتش وقحة قد ما كانت باردة وتلقائية.. زي حد بيطرد دبانة مزعجة.
— «يا ندى، أنا فاكر كل حاجة، بلاش تبدأي الموال ده.. قلت لك فاكر.»
سكتت، وراحت تعدّل فازة ورد صغيرة على الشباك، بس جواها حاجة اتقبضت.. نفس العقدة اللي دايماً بتحسها لما يبدأ يقول "بلاش تبدأي". الكلمة دي معناها إن أي كلام زيادة يبقى "نكَد وزَن".. وكأنها بتزعجه في عالم مالهوش فيه شريك متوفره على روايات واقتباسات 
من 3 أسابيع بس، كان كل حاجة مختلفة. عيد ميلاد الست نجلاء كان عامل زي "مهمة قومية" في البيت. قبلها بشهر، أحمد فضل يكرر:
— «لازم نجيب هدية قيمة تشرفنا قدام ماما.»
وفي نظره "قيمة" يعني "براند وغالية نار".         بقلم منــال عـلـي 
ندى فضلت أسبوعين

تلف بعد الشغل على المولات في التجمع ومصر الجديدة، تدور على شال حرير إيطالي زي ما هو راسم في خياله.. لون معين بالظبط عشان "يرفع راسه" قدام أمه. كانت فاكرة اللحظة اللي مسكت فيها الشال في محل كبير.. قماشه تقيل ولامع، وسعره كان داخل في نص مرتبها تقريباً.
صورت له وبعتت له.. اتصل بعدها بدقيقة:
— «شكله شيك.. مش رخيص يعني، صح؟»
— «يا أحمد ده غالي جداً.»
— «أحسن، أمي ما ينفعش يتدخل لها بحاجة قليلة.. هاتيه، وأنا هحوّل لك القرشين بالليل.»
واشترته.. وقعدت بالليل تلفه، وتظبط الشريط الستان، وتكتب الكارت بإيدها بخط شيك، لأن "أحمد شايف إن ذوقها أحسن في الحاجات دي". كان واقف فوق دماغها كأنه مدير مشروع: هو يقرر البرستيج.. وهي تنفذ الشقى.
وفي عيد ميلاد الست نجلاء، حضنت ابنها وبوسته وفضلت تشكر في كرمه، ومن غير ما تبص لندى غير بابتسامة مجاملة: «تسلم إيدك يا حبيبتي.» وخلاص. بقلم منــال عـلـي 
دلوقتي.. بعد 3 أسابيع، الصورة اتقلبت. الست هدى، والدة ندى اللي عايشة في محافظة بعيدة، ما طلبتش لا ذهب ولا حرير.. كانت مستنية بس مكالمة واحدة من جوز بنتها، تحسسها إنها غالية عنده.
وأحمد؟ سنتين ورا بعض
"بينسى". وندى كانت كل مرة تكذب على أمها: «عنده ضغط شغل يا ماما»، «تليفونه فصل شحن»، «هيكلمك بكرة أكيد». بس "بكرة" ما بيجيش. وأمها بقلبها الكبير كانت تعدي وتقول: «معلش يا بنتي، ربنا يرزقه ويصلح حاله في شغله.»
أحمد قفل اللابتوب وقام يدخل المطبخ يعمل شاي.
— «عايزة شاي معاكي؟»
— «لأ، شكراً.»
صوتها كان هادي.. زيادة عن اللزوم. كان نفسها تسأله: ليه الست نجلاء تستاهل كل الاهتمام والتعب والمصاريف.. وأمي ما تستاهلش حتى مكالمة دقيقتين؟ بس سكتت، وقالت لنفسها: "فرصة أخيرة".
الصبح جه.. يوم عيد ميلاد أمها. أحمد كان رايق، بيلبس ويدندن، وبياكل الفطار اللي ندى حضرته. باسها على خدها:
— «ما تتأخريش النهاردة.» وخرج.
سمعت الباب بيتقفل، وبصت عليه من الشباك وهو بيركب عربيته.. ما نطقش ولا كلمة عن أمها. وساعتها بس، حسّت بحجر تقيل نزل في قلبها.. مش زعل، دي كانت "حقيقة" واضحة وصريحة للمرة التالتة.
تاني يوم الصبح، أحمد كان فايق وبيلبس قميصه وهو بيصفر قدام المراية.. عايش في عالمه اللي هو فيه مركز الكون. ندى كانت قاعدة على طرف السرير، وسألته بهدوء:
— «كلمت الست هدى باركت لها امبارح؟»
سكت لحظة، واتلخبط:
«يا بنتي نسيت خالص، كان يوم زحمة ومطحون.. هبعت لها رسالة النهاردة، مش حكاية يعني.»
قالها وكأنه نسي يجيب كيس عيش وهو راجع. ساعتها ندى قامت، وصوتها اتغير تماماً:
— «يعني أنا أشيل الست نجلاء فوق راسي في كل مناسبة وأجيب لها هدايا بآلافات، وإنت مش قادر تبعت رسالة لأمي؟! ده عدل ربنا؟»
أحمد زعق:
— «أنا قلت نسيت! ورايا شغل ومسؤوليات فوق دماغي!»
— «شغل؟! لما كانت الست نجلاء عايزة الشال الغالي كنت مركز وفاضي قوي! وأنا اللي لفيت أسبوعين عشان خاطر جنابك! إنما رسالة لأمي؟ تقيلة عليك؟»
— «كفاية كلام فارغ! أمي حاجة وأمك حاجة تانية!»
— «يعني أمك عيلة وأمي غريبة؟»
سكتت ثانية.. وبعدين كملت ببرود رعبُه:
— «طيب.. طالما دي قاعدتك، يبقى الشقة دي كمان لازم تبقى للناس اللي جوه العيلة بس.. وإنت بره.»
أحمد اتجمد: «إنتي بتقولي إيه؟»
— «بقول الحقيقة.. الشقة دي جاية من فلوس الست هدى اللي بتسميها غريبة، ومكتوبة باسمي. وبما إن أمك هي العيلة، وأمي غريبة.. يبقى الغريب ملوش مكان هنا. قدامك ساعتين تلم حاجتك.»
أحمد كان واقف مصدوم.. لأول مرة يحس إن "اللف والدوران" مش هينفعوا. الحقيقة كانت أقوى من أي جدال.. وفي
اللحظة دي، فهم إنه خسر كل حاجة.
تمت.

تم نسخ الرابط