في يوم 5 في الشهر.. بقلم منــال عـلـي
الخبط رجع تاني على الباب، بس المرة دي كانت تلات دقات قوية، خلت الطفل ياسين يتفزع وهو على كتف نهى.
الظرف الأحمر بتاع شركة الكهرباء كان لسه مفتوح قدامي على الرخامة. الورق كان خشن، من النوع الرخيص اللي الشركات بتبعته للإنذارات. وفي نص الورقة، فوق الجملة اللي بتقول قطع الخدمة في تمام الخامسة مساءً، كان فيه اسم صاحب الحساب مكتوب بوضوح بقلم منال علي
مدام كوثر عبد العزيز الحماة.
نهى شافتني وأنا بقرأ الاسم، وفجأة وشها بقى زي الورقة البيضا. متفتحيش يا مدام عفاف.. أبوس إيدك ماتخليهمش يدخلوا، همست بصوت مخنوق متوفره على روايات واقتباسات
ياسين بدأ يعيط عياط جاع، وبدأ يدور على صدرها. الجو في المطبخ كان خليط مابين ريحة اللبن الصناعي والبن القديم، مع الريحة اللي بتفضل لازقة في الهدوم بعد الخروج من المستشفى. بره، سمعنا حركة على السلم، وبعدها جه صوت ست من ورا الباب، هادي بس فيه نبرة سيطرة تخوف
افتحي يا نهى.. إحنا عارفين إنك جوه.
نهى ضمت ياسين بضوافرها لدرجة إن صوابعها ابيضت.
دي أمه.. أم طارق، قالتها وهي بتترعش. بقلم منال علي
من نبرة صوتها، عرفت إن طارق ده هو أصل الوجع كله.
مشيت خطوتين وبصيت من العين السحرية. كان فيه راجل طويل لابس قميص مكوي وبنطلون قماش، واقف ببرود وإيده في جيبه، وفكّه مشدود كأنه قرفان من المكان. وجنبه ست شيك، لابسة عباية استقبال غالية
الاسم اللي في ورقة الكهرباء، هو نفسه اللي كان في خيالي وأنا شايفة الست دي. بقلم منال علي
فتحت الباب بس سبت الترباس مقفول.
مدام كوثر رفعت راسها لفوق لما شافتني أنا اللي فاتحة مش نهى.
وإنتي تطلعي مين بقا؟
أنا صاحبة البيت، قولتها بكلمة واحدة قاطعة.
عينيها راحت من فوق كتفي لجوه الشقة، وطارق حاول يميل عشان يلمح نهى.
إحنا جايين ناخد الواد، قالت كوثر ببرود. نهى تفكيرها مشوش ومش عارفة مصلحتها فين.
ياسين صرخ صرخة تانية من جوه.
محدش بياخد طفل عشان وصل الكهرباء باسمه، ردّيت عليها وأنا عيني في عينيها.
لأول مرة ملامح كوثر تتهز، وطارق اتدخل وبص لي بحدة
يا ست إنتي.. ده موضوع عائلي، ملكيش دخل فيه.
العيلة بتدفي بعضها يا أستاذ، مبيقطعوش النور على ولادهم، وقلت كلمتي وقفلت الباب في وشهم.
التفت لنهى.. كانت واقفة في نص الصالة، كتافها منحنية ووشها متبهدل ونفسها عالي.
اقعدي، قلت لها وأنا بشد كرسي خشب قديم. احكي لي الحكاية من أولها.. قبل ما أقرر هعمل إيه.
نهى وقعت على الكرسي كأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية. بدأت تحكي، وسوار المستشفى البلاستيك لسه في إيدها.
قبل تسع شهور، طارق كان بالنسبة لنهى هو النجدة. اتعرفت عليه في الصيدلية اللي كانت شغالة فيها، وكان بيبان إنه أحن إنسان في الدنيا.
في بداية الحمل، كان
بس المساعدة مكنتش لله.. كان فخ.
طارق قنعها إن الشقة غالية، وإنهم لازم يوفروا. عرض يشيل عنها فواتير الكهرباء والغاز.. وقام فعلًا بفتح حساب الكهرباء باسم والدته.
نهى اعترضت في الأول، بس هو طمنها وقال لها يا حبيبتي إحنا واحد.
وبعد الولادة، كل حاجة اتغيرت. طارق بطل ييجي، وكوثر بدأت تعاملها كأنها خدامة للطفل مش أمه. ولما نهى رفضت تسيب شقتها وتروح تعيش معاهم تحت طوعهم، بدأوا يضيقوا عليها الخناق.
طارق بعت لها رسالة الصبح حضري نفسك.. أمي جاية تاخد ياسين بالليل.
ولما نهى قالت لأ، كانت الرسالة الأخيرة من أمه هي الوجع الحقيقي
الكهرباء هتتقطع الساعة 5.. يمكن لما تعيشي في الضلمة وتسمعي صوت ابنك وهو بيصرخ من الحر، تبدأي تفهمي إن الكرامة غالية، والبيت اللي ملوش راجل بيتهد.
وقفت مكاني.. فهمت كل حاجة. الموضوع مكنش ظروف صعبة.. ده كان لوّي دراع.
بعتِ الكنبة والميكروويف ليه؟ سألتها.
قالت وهي بتبكي عشان أدفع الإيجار وأجيب بامبرز.. طارق سحب كارت البنك بتاعي، ولقيت سلك بطارية العربية مقطوع عشان مأعرفش أهرب بالولد.
بصيت للباب.. كانوا لسه واقفين. مدام كوثر خبطت تاني
يا نهى.. إنتي مش متزنة نفسيًا،
والظروف دي مش آمنة للطفل.
هنا كان لازم أتدخل.
ها.. جهزتي شنطتك؟ سألت كوثر بابتسامة نصر.
لأ، ردّيت أنا. بس معايا المحامية ليلى على الخط.. وبنعمل محضر إساءة معاملة وتهديد بالرسائل اللي بعتتوها بقطع الكهرباء عشان تجبروا أم لسه والدة إنها تسيب بيتها.
وش طارق قلب ألوان. محدش أجبرها.. ده حسابنا وإحنا أحرار.
صوت ليلى جه حاد من التليفون يا أستاذ طارق.. استخدام المرافق الأساسية كوسيلة ضغط لحرمان أم من طفلها دي جريمة، وقوة الشرطة في طريقها دلوقتي عشان نثبت الحالة.
قبل الساعة 5، الكهرباء مرجعتش بس.. دي بقت باسم نهى أحمد.
وفي القسم، نهى لأول مرة تتكلم بصوت عالي. طلبت عدم تعرض من كوثر، وحقها في النفقة والسكن من طارق.
القاضي لما شاف الرسايل وورقة خروجها من المستشفى اللي لسه مكملتش أيام، كان كلامه واضح الرجولة مش بالسيطرة، والرعاية مش بالذل.
بعد أسبوع..
الدنيا مكنتش سهلة، بس بقت أهدأ. الكهرباء منورة، والستر رجع للبيت.
وفي أول جمعة في الشهر الجديد، نهى خبطت على بابي وهي شايلة ياسين.
سلمتني ظرف الإيجار.. كامل.
بصت لي بنظرة ثابتة، وقالت بابتسامة صافية
أول مرة أحس إني صاحبة قرار.. شكرًا يا مدام عفاف. بقلم منال علي
على الرخامة، كان لسه فيه ظرف أحمر قديم.. بس المرة دي مكنش تهديد، كان درس عمرها ما
ياسين ضحك ضحكة صغيرة..
والبيت، بفضل الله، صمد.
تمت