فاض الكيل.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

"إنتي ملزمة تحترمينني غصب عنك"، قالتها الست زينب (حماتي) بصوت عالي، وهي مش عارفة أصلاً إن "الفيزا" بتاعتي هي اللي بتدفع تمن كل شكة إبرة بتاخدها. بقلم منــال عـلـي 
"التفاح ناشف كأنه خشب وما لوش طعم! ما كنتي تنزلي السوق تنقي حاجة عدلة لواحدة عيانة، بدل البلاستيك اللي بتجيبيه من السوبر ماركت ده! إنتي دايمًا عايزة تكروتي وتخلصي.. ولا فارق معاكي البيت ولا اللي فيه!"
وقفت هبة ساكتة قدام رخامة المطبخ، بتقطع السلطة بهدوء وبرود. خدت نفس طويل وحاولت تكتم غيظها وماتردش، لأنها حفظت الموشح ده صم.
في الصالة، كانت الست زينب قاعدة على الكنبة زي الملكة، ساندة ضهرها بمخدات، ورجليها ملفوفة بشال صوف، وقدامها على الترابيزة رصة أدوية ومراهم مستوردة غالية نار.بقلم منال علي 
مشاكل المفاصل عندها بقالها سنين، بس الفترة الأخيرة الحالة ساءت جدًا. والدكاترة قالوا إنها محتاجة علاج تقيل وطويل: حقن غالية في المفاصل، وجلسات بلازما، وتأهيل طبيعي. وفي المستشفى الحكومي، الدور ممكن ييجي بعد سنة.. وهي طبعاً مش مستعدة تستحمل الوجع ده كله.
مافيش غير حل واحد: **مركز خاص في المهندسين.**
لما اتجمعوا عشان يشوفوا التكلفة، الجو اتكتم. متوفره على روايات واقتباسات 
أحمد، جوز هبة، مهندس في مصنع. راجل دغري وشغيل، بس مرتبه يا دوب بيكفي مصاريف البيت والفواتير والعربية اللي كل شوية تعطل. مفيش في جيبه "قرش أبيض لليوم الأسود".
إنما هبة؟. بقلم منــال عـلـي 
هبة كانت فاتحة مكتب محاسبة

ناجح، ماسكة حسابات شركات كبيرة، وبتكسب أضعاف أحمد.
ولما شافت أحمد مكسور ومش عارف يتصرف في علاج أمه، خدت قرار هتندم عليه بعدين: دفعت مصاريف المرحلة الأولى كلها من حساب شغلها الخاص.
طلبت منه طلب واحد بس:
"يا أحمد، ما تقولش لمامتك إن الفلوس دي مني."
كانت عارفة دماغ حماتها كويس، ومش عايزة تكسف جوزها قدامها. سابتها فاكرة إن ابنها هو اللي "دبر الفلوس" وجابها من تحت الأرض.
بس للأسف.. كرمها اتقلب ضدها.
من أول يوم علاج، الست زينب اتغيرت خالص. بقت شايفة إن ابنها هو اللي شايل الليلة، وبقت تتعامل في البيت كأنها صاحبة المكان. وهبة؟ بالنسبة لها مجرد "خدامة" عايشة بفلوس ابنها.
"يا هبة! إنتي ودانك تقيلة ولا إيه؟ مش قولتلك اعمليلي شاي؟ مش الأكياس ده، اعمليه كشري بالمرمرية. أحمد زمانه جاي مهدود، بيشتغل ليل نهار عشاننا، وإنتي لسه ما خلصتيش الأكل!"
"الأكل في الفرن يا ست زينب"، ردت هبة بهدوء. "اللحمة خلاص استوت."
"لحمة إيه! أكيد مغرقاها دهون! الأكل ده يضر أحمد. ما تعمليش كفتة مشوية على البخار ليه؟ بس طبعاً ده عايز مجهود، وإنتي بتحبي الروقان والقعدة قدام اللاب توب بتاعك!"
في اللحظة دي، دخل أحمد تعبان ووشه مخطوف. باس إيد أمه وقعد وهو مرهق جداً من الساعات الإضافية اللي بيحاول يجمع منها أي مليم.
العشا عدى في صمت يخنق.. وبعد ما الست زينب أكلت الطبق اللي كانت بتعيب عليه، بدأت جولة جديدة:
"بكرة عندي حقنة الساعة 10. يا هبة، تعدي عليا 9. وماتتأخريش."
"أنا ماتأخرتش قبل كده"، قالت
هبة بهدوء. "وبكرة مش هينفع أوصلك، عندي مراجعة ضريبية مهمة في المكتب. هطلبلك عربية (أوبر) نضيفة وأحاسبها."
وش الست زينب احمر من الغضب، وبصت لأحمد:
"سامع مراتك بتكلمني إزاي؟ أنا واحدة عيانة وعايزة تبعتني مع سواق غريب؟!"
أحمد قال بصوت واطي:
"يا أمي، يومها صعب.. والسواق هينزل يسندك." بقلم منــال عـلـي 
"إزاي تسمح بكده؟! إنت بتطحن نفسك ليل نهار وبتدفع دم قلبك، وهي مش قادرة توصلني؟!"
هبة وقفت مكانها وبصت لأحمد.. كانت مستنية منه كلمة حق.
**بس هو؟**
فضل ساكت. باصص في الكوباية. لا دافع عنها ولا قال الحقيقة.
في اللحظة دي، هبة حسّت بحاجة اتكسرت جواها مابتتصلحش.
تاني يوم، عملت اللي قالت عليه: طلبت العربية، دفعت، ونزلت شغلها.
العلاج جاب نتيجة هايلة.
بعد شهر، الست زينب بقت بتمشي من غير عصاية، والألم اختفى.. بس معاملتها لهبة بقت أسوأ بكتير.
**والانفجار الحقيقي حصل لما "مي" أخت أحمد جت تزورهم.**
مي ست شيك في التلاتين، مابتشتغلش، ومعتمدة على اللي حواليها في كل حاجة. دخلت الشقة بريحة برفان غالي، وجايبة علبة حلويات رخيصة.
"ماما شوفي جبتلك إيه!"
"يا حبيبتي! أهو ده الاهتمام بجد!" قالت الست زينب وهي بتزق طبق الفاكهة اللي هبة منقياه.
قعدت مي تاكل وتشتكي:
"غسالتي باظت خالص.. وعايزة أجيب واحدة جديدة بـ 12 ألف جنيه. ممكن تساعدني يا أحمد؟"
أحمد اتخنق:
"منين يا مي؟ علاج ماما مكلّف جدًا.. أنا مفلس."
الست زينب خبطت الترابيزة:
"يعني إيه مفلس؟! إنت مش أخدت مكافأة؟ مش هتساعد
أختك؟! وهي" — وبصت لهبة بقمة الاحتقار — "نازلة شري في جزم ولبس! الفلوس موجودة للمنظرة، ومفيش لأهلك؟!"
هبة حطت كوبايتها بهدوء وقالت:
"الجزمة جايباها من حُر مالي. ومش هنجيب غسالات، مي عندها طليقها هو المسؤول عنها."
الست زينب قامت وقفت وهي بتزعق:
"إنتي إزاي تتجرأي وتتكلمي! إنتي مابتجيبيش مليم للبيت وعايشة على قفا ابني!"
في اللحظة دي، هبة قامت بهدوء، دخلت الأوضة وجابت "ملف" وحطته قدام حماتها:
"افتحي ده يا ست زينب."
كان فيه كل فواتير المركز الطبي، والتحاليل، والروشتات.. وكلها مدفوعة بالفيزا (باسم هبة).
الست زينب قرأت الصدمة في الورق، وأحمد أخيراً نطق:
"فيكا.. قصدي هبة، هي اللي دفعت كل حاجة يا أمي."
الوهم انهار في ثانية. الست زينب قعدت مذهولة، ومي انسحبت في هدوء.
بس الست زينب لسه فيها "عِند":
"ما إنتوا متجوزين.. ده مال مشترك!"
ابتسمت هبة بوجع:
"لا ده مالي.. ودفعت عشان كنت صعبان عليا أشوف أحمد مكسور."
وبعدين قفلت الملف وقالت:
"الاحترام ما بيتفرضش بالصوت العالي.. الاحترام بيتحس. وبناءً عليه، أنا هوقف تمويل باقي العلاج."
في ليلتها، الست زينب سابت الشقة في صمت.
الأيام عدت، وأحمد ماعرفش يدبر مصاريف المركز الخاص، ورجعت الست زينب للمستشفى الحكومي والدور البعيد.
أحمد اعتذر كتير.. وهبة سامحته.
بس العلاقة مابقتش زي الأول.
هبة مابقتش الزوجة المثالية اللي بتسكت على حقها، وحماتها مابقتش تجرؤ تفتح بوقها بكلمة تجرحها.
مابقاش فيه بينهم حب كبير.. بس بقى فيه حاجة أهم:
**"
حدود"**. والحدود دي هي اللي خلت "الاحترام" يرجع يعيش وسطهم من تاني.

تم نسخ الرابط