لما الأم تقول لا .. بقلم منــال عـلـي
في نوع كده من الوجع، حاد ومؤلم، يمكن محدش يحس بيه غير الأمهات. إحساس إن قلبك اللي فضلتي تدي منه حتة حتة لابنك سنين طويلة، فجأة يتقبض جامد من نظرة باردة وحسابات منه.
أمينة ما كانتش تعرف إن صباح السبت ده هيقسم حياتها لـ "قبل" و"بعد"، وهي راجعة من السوق.
كانت شايلة في شنطتها القماش التقيلة شوية عيش بلدي لسه سخن وريحته تفتح النفس، ومعاه كيلو جبنة فلاحي. ده كان طقسها الحلو كل أسبوع، لحظة هدوء صغيرة بتعيشها لنفسها. بقلم منــال عـلـي
شقتها أوضتين وصالة في الدور التالت في عمارة قديمة، بقالها سنين ملاذها الهادي. من سنتين بس كانت عاملة فيها تشطيب نضيف ومريح، كل حاجة فيها متدفعلها من شقاها وتعبها سنين وهي شغالة دكتورة أطفال في الوحدة الصحية.
وهي بتطلع الحاجات، فجأة سمعت صوت المفتاح في الباب بيتفتح بعنف. وقفت مكانها، واستغربت. مفيش غير شخص واحد بس يفتح الباب كده من غير ما يخبط.
— كريم؟ قالتها بهدوء.
دخل ابنها كريم، 32 سنة، مندفع جوه الممر. ما خلعش الكوتشي المتوسخ، ودخل
وشه محمر من العصبية، وحركاته كلها توتر.
— يا ماما عايز أكلمك في موضوع مهم حالًا.
— اخلع الجزمة الأول، وحط الجاكيت مكانه، قالتها بهدوء بس بحزم.
اتنرفز، بس نفذ.
— قول، جاي ليه بدري كده؟ قالت وهي واقفة على باب المطبخ.
— عايز فلوس أجيب عربية جديدة! قالها مرة واحدة وهو بيعلى صوته.
— ندى جابت آخري! العربية القديمة بقت فضيحة! كل الناس بقت راكبة عربيات حديثة!
أمينة حست بنفس الوجع اللي جواها بيشد. كام مرة ساعدته؟ كام مرة حرمت نفسها؟
بس وشها فضل هادي.
— ناقصك كام؟ سألت بهدوء.
— 300 ألف. وأنا عارف إن معاكي حوالي 500 ألف في البنك. اسحبيهم، والباقي خدي قرض باسمك. وأنا هدفعه!
بصلها بثقة غريبة كأن ده حقه.
— تعالى اقعد، قالت وهي بتشاور على الكرسي.
قعد وهو بيخبط بإيده على السفرة.
— يا كريم، إنت في وعيك؟ إيه 300 ألف دي؟ وإيه قرض في السن ده؟
— يا ماما الفلوس دي هتعملي بيها إيه؟! إنتي لا بتسافري ولا بتصرفي!
— أنا
— أنا مالي بالكلام ده، ومش عايزة أعرف.
— إزاي يعني؟ أنا ابنك! لازم تساعديني!
سكتت… بس إيدها كانت بترتعش.
— أنا معيش فلوس. مرتبي كمان أسبوع، وندى قاعدة من غير شغل. أنا مليش غيرك!
— هتسيبيني أغرق؟!
— إنت ما جتش تطلب… إنت جاي تفرض، قالتها بهدوء.
— يا ماما هارجعهم والله!
— لا… مش هترجعهم.
— لسه مرجعتش فلوس العربية القديمة، ولا فلوس تشطيب شقتكم اللي أنا بدفعها من معاشي.
— ده كان زمان! دلوقتي غير!
— ممكن، قالتها بنبرة باردة.
— عشان دي حياتك إنت… ومشاكلك إنت. اشتغل واتعب واشتري.
وسكتت لحظة وقالت:
— وبعدين على فكرة… الفلوس دي مبقتش موجودة.
— يعني إيه؟! صرخ كريم.
— صرفتها على نفسي. عملت أسنان كويسة، وحجزت مصيف علاج، وجبت أجهزة للبيت، وكملت التشطيب.
— إنتي اتجننتي؟! أنانية! سايبة ابنك يعيش كده؟!
أمينة ما اهتزتش.
— أيوه… بقيت بفكر في نفسي.
— عشان إنت عمرك ما فكرت فيا.
— فاكر لما قلت لك وصلني للدكتور؟ قولتلي: "اعملي أوبر يا ماما
سكت.
— وقتك غالي؟ طب راحتي وصحتي أغلى عندي.
في اللحظة دي الجرس رن.
فتحت الباب… لقت جارتها:
— يا أمينة، معاكي دوا ضغط؟ خلص عندي.
شافت كريم متعصب، اتوترت.
— لا يا حبيبتي ادخلي، مفيش حاجة.
— ده ابني كريم جاي يطلب مني كل فلوسي وأخد قرض كمان!
كريم اتصدم.
الجارة بصت له باستغراب ومشت.
أمينة قفلت الباب، وبصت له:
— هات المفتاح.
— إيه؟!
— مفتاح الشقة.
— إنت بتيجي هنا بس لما تحتاج حاجة، وبتتعامل كأن البيت بيتك. لأ.
وقف مصدوم… وبعد لحظة طلع المفتاح ورماه.
— إنتي كده مش أمي… إنتي واحدة غريبة وأنانية.
— كل واحد بيختار حياته، قالت بهدوء.
— اقفل الباب وراك.
سابها ومشي.
رجعت المطبخ… إيديها بتترعش.
بدأت تعجن عجينة فطير أو فطائر بالجبنة… دمعة نزلت منها في العجين.
بس ما كانتش دمعة ضعف…
كانت دمعة راحة.
زي وجع خلع ضرس… بيوجع الأول، وبعده راحة.
فهمت إن أحيانًا أقوى حب… إنك تقولي "لا".
عشان ابنك يتعلم يعتمد على نفسه.
هي خدت منه المفتاح…
بس قلبها لسه مفتوح.
وهي مستنية اليوم اللي يرجع فيه…
مش عشان فلوس…
لكن عشان يقول:
"وحشتيني يا ماما… سامحيني."
رأيكم إيه؟
هل أمينة صح؟ ولا كانت قاسية شوية؟ 💭