مش واجبي.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

— «آه طبعاً، أنا أوحش كنّة في نظر والدتك! خلاص بقى، روح إنت شيلها وحطها وإمسحلها ريقها، لإن رِجلي مش هتعتب شقتها تاني أبدًا!»
— «أمي خرجت من المستشفى، والدكتور قال محتاجة مراعاة في البيت أسبوع على الأقل.. بكرة تروحي لها من بدري.» بقلم منــال عـلـي 
**أحمد** رمى الموبايل على الكنبة ودخل المطبخ وهو بيحسم الموضوع في دماغه. بيتكلم كأنه بيعلن عن ميعاد قطع الكهرباء أو إنه جاب عيش؛ نبرة باردة، واثقة، نبرة حد بيدي أمر ومش مستني مناقشة. بالنسبة له، الموضوع منتهي.
**ندى** كانت واقفة قدام البوتاجاز. إيدها اللي ماسكة المعلقة الخشب اتسمرت في نص الطريق فوق الطاسة، واللحمة بتتحمر في الزيت. ريحة البصل واللحمة اللي كانت من لحظة ريحة دافية ومألوفة—فجأة بقت خنقة وتقيلة على صدرها. ما لفتش وشها، فضلت باصة للزيت وهو بيغلي، وسكوتها كان رد.. بس أحمد ما فهمش، أو عمل مش فاهم متوفره على روايات واقتباسات 
— «سمعتي؟» فتح التلاجة وطلع إزازة

ميه معدنية، شرب كذا بقة وحطها على الرخامة بخبطة مسموعة. «هتروحي على الساعة عشرة الصبح.. أوصلك وأنا رايح الشغل.»
لسه ما بصش في عينيها. واثق إنها هتسمع الكلام، ومتأكد إنها بعد شوية تفكير هتقول "حاضر" زي عادتها. هو يقرر، وهي توافق.. بس المرة دي، المعلقة ما اتهزتش من مكانها.
— «أنا مش هروح يا أحمد.»
صوتها كان واطي، يكاد يكون همس، بس في هدوء المطبخ المشحون، الكلمتين نزلوا زي خبطة شاكوش على دماغ أحمد. شرق في الميه، وقفل الإزازة ببطء وحطها على الرخامة بعنف كأنه عايز يكسرها، ولف ليها أخيرًا.
— «يعني إيه مش هتروحي؟» سألها باستغراب. مكنش لسه غضب، كانت حيرة باردة، كأن كرسي فجأة قرر إنه ما يبقاش كرسي! «ندى، أنا مش فاهم.. إيه اللي بتقوليه ده؟ أمي تعبانة ومحتاجة اللي يسندها.» بقلم منــال عـلـي 
قرب منها خطوة، دخل في مساحتها الشخصية عند البوتاجاز، وريحة الشارع وعطره كانت طاغية على المكان.
— «بالظبط..» صوت ندى بقى أقوى وأصلب. لفت وشها
له أخيرًا، ملامحها هادية بس عينيها فيها برود وتحدي. «دي أمك إنت.. نفس الست اللي بقالها عشر سنين بتحاول تكسرني في كل قعدة.. اللي بتقول لصحابك إنك غلطت لما اتجوزتني. وقت ما كانت بصحتها كنت أنا ولا حاجة في نظرها.. دلوقتي لما بقت محتاجة اللي يغيرلها هدومها ويشيلها، بقيت أنا فجأة مهمة؟ لأ يا أحمد.»
وش أحمد احمرّ جداً.. كلامها مفرقش معاه في حاجة، هو مش شايف منطق، هو شايف تمرد وتحدي لسلطته.
— «إنتي بتتكلمي جد؟ هتفتحي لي دفاتر قديمة وست مريضة بين الحياة والموت؟» فتح إيده بغضب وزعق: «بلاش أنانية يا ندى! خليكي أكرم من كده.. ارحميها شوية، دي أبسط معاني الإنسانية!»
كان بيزعق عشان يكسر صمودها بنظراته المتعالية. كان فاكر إنها هتنهار، تنزل عينيها في الأرض وتعتذر.. بس ندى فضلت واقفة مكانها، ورسمت على وشها ابتسامة مريرة. لما لقى إن الضغط ما جابش نتيجة، قرب أكتر وقال كلمته اللي فاكر إنها هتنهي الماتش:
— «إنتي مُلزمة.»
كلمة "مُلزمة" نزلت زي
السّم في جو المطبخ. فجأة ندى ضحكت.. ضحكة حادة وجافة، مليانة احتقار. أحمد اتسمر مكانه، كان مستني عياط أو صراخ، مش سخرية.
— «إيه اللي بيضحك؟!» سألها بصوت خشن.
— «مُلزمة؟ أنا؟» ندى حطت المعلقة وبصتله بكل قوتها. «أحمد، إنت فقدت الذاكرة؟ ولا فاكرني أنا اللي نسيت؟ أفكرك أنا.. عيد ميلادك من ٣ سنين، والشقة مليانة ضيوف، وأمك رفعت الكاس وقالت قدام الكل: "يا أحمد يا ابني، إنت ورطت نفسك في الجوازة دي.. بس معلش، الرجالة بتغلط، المهم يعرفوا غلطهم في الوقت الصح." فاكر؟»
أحمد بص في الأرض ووشه اتشنج.. طبعاً فاكر، فاكر السكوت اللي عمّ المكان ونظرات الشفقة من صحابه، وفاكر إنه يومها قال "ماما بتهزر" وغير الموضوع.. ما دافعش عنها.
— «يومها كنت أنا "الغلطة" اللي وقعت فيها»، كملت ندى بثبات. «ودلوقتي عشان تعبانة، بقيت فجأة "مُلزمة"؟ عايزني أمسح عشر سنين إهانات بكلمة؟»
قربت منه خطوة، وهو رجع لورا لا إراديًا.
— «أنا أوحش كنّة؟ خلاص، روح إنت اخدمها،
لإني مش هدخل هناك تاني!»

تم نسخ الرابط