حين سقط القناع كاملة
حطم أبي فكي لأنني رددت عليه. ضحكت أمي وقالت هذا ما تناله عديمة الفائدة. وقال أبي لعلك الآن تتعلمين كيف تغلقين ذلك الفم القذر. ابتسمت لم يكونوا يعلمون ما الذي كان قادما
لم يكن تصدع العظم مجرد صوت بل كان نقطة انكسار. صوتا سيظل يسكن جمجمتي طويلا بعد أن تخبو الكدمات. التقت قبضة أبي بفكي بدقة شخص اعتاد أن يفعل ذلك من قبل. جاءت الضربة سريعة إلى درجة أنني لم أملك حتى وقتا لأرتجف. ارتجف ضوء المطبخ فوقنا بينما ترنحت إلى الخلف واصطدمت ركبتاي بحافة الطاولة قبل أن أسقط أرضا. التصق البلاط البارد بخدي. ولثانية واحدة مالت الغرفة جانبا. تذوقت طعم الدم حادا معدنيا كثيفا يغمر لساني ويسيل من زاوية فمي.
وقف أبي فوقي يلهث ويده لا تزال مقبوضة وعروق ساعده تنتفخ كأنه فخور بما فعل. كانت أذناي تطنان والعالم من حولي مشوشا لكن حتى وسط ذلك الضجيج سمعت ضحكة أمي. لم تلهث. لم تسأل إن كنت بخير. بل ضحكت ضحكة منخفضة مرة قاسية.
قالت وهي تتخطاني كأنني شيء انسكب على الأرض
هذا ما تنالينه لكونك عديمة الفائدة.
ثم أضافت
ربما الآن تتعلمين كيف تغلقين ذلك الفم السوقي.
كل ما فعلته هو أنني سألت لماذا علي تنظيف الفناء الخلفي مرة أخرى بينما كان كايل لا يزال ممددا على الأريكة
انهضي! زمجر أبي فملأ صوته الغرفة كعادته حادا آمرا من ذلك النوع الذي يدفع الجسد إلى الطاعة قبل أن يعترض العقل.
أم أنك بحاجة إلى درس آخر
دفعت نفسي ببطء حتى وقفت أمسح الدم عن فمي وكان فكي ينبض بألم حاد حتى إنني بالكاد استطعت إطباقه.
أنا بخير تمتمت متلعثمة ثقيلة النطق.
قال وهو يهز رأسه وكأنه هو من يشعر بخيبة الأمل
ستكونين بخير عندما تكفين عن الثرثرة. الناس عديمو القيمة لا يحق لهم الشكوى.
خلفه كانت أمي تصب لنفسها القهوة تهمهم بنغمة هادئة النغمة ذاتها التي اعتادت أن تهمهم بها حين تريد أن تبدو غير مكترثة.
قالت دون أن تنظر إلي
تأكدي من إنهاء تنظيف الفناء الخلفي قبل الغداء ولا تحدثي فوضى.
في الخارج كانت الشمس ساطعة باردة. أمسكت بالمكنسة بقوة حتى ابيضت مفاصلي. كان مقبضها الخشبي يغرس نفسه في راحتي يربطني بالواقع ويمنعني من الارتجاف.
كنت أعرف تلك الابتسامة. هي ذاتها التي ارتسمت على وجهه منذ الطفولة تلك التي تقول
لن تكوني أبدا أكثر من هذا.
كنت في السادسة والعشرين. كبيرة بما يكفي لأغادر. ناضجة بما يكفي لأعرف الأفضل.
لكنني لم أكن حرة بعد.
كل محاولة قمت بها لبناء شيء يخصني كانت تقوض على أيديهم. مدخراتي اختفت استعارها والداي لتمويل أحد مشاريع كايل الفاشلة المتكررة التي كانت تنتهي دائما بالطريقة نفسها فشل وأعذار.
في كل مرة فكرت فيها في البدء من جديد كان صوت أبي يرن في رأسي
لن تصمدي أسبوعا واحدا من دوننا.
ربما كان محقا.
أو ربما لم يتح لي يوما أن أكتشف العكس.
لم يكن ألم فكي هو الأكثر إيلاما.
الأشد قسوة كان إدراكي أن هذا الصراخ والضحك والكدمات لم يعد يفاجئني. لقد صار ضجيجا خلفيا كصرير الدرج أو طنين الثلاجة.
وكان ذلك أشد ما أفزعني.
في تلك الليلة تناولوا الطعام الجاهز في غرفة المعيشة يتجادلون حول أي فيلم سيشاهدون. كان عبير صلصة الصويا والدهن يملأ الجو بينما جلست على
كنت لا أزال أشعر بوخز قبضته على جلدي. بدا انعكاسي في المرآة غريبا عني شفتي مشقوقة وفكي متورم قليلا.
لكن تحت الألم كان شيء آخر يتكون
وضوح بارد صامت.
لم أكن أبكي.
لم أكن أرتجف.
كنت أخطط.
أعدت في ذهني كل كلمة قالوها كل مرة ضحكوا وأنا أنزف كل إذلال دفنوني تحته مشهدا بعد آخر حتى تحول كل ذلك إلى شيء صلب في داخلي. شيء مركز.
في صباح اليوم التالي كانت رائحة الفطائر تملأ المطبخ الفطائر الجيدة تلك المحشوة بالتوت الأزرق والمغطاة بسكر البودرة التي لم تكن أمي تصنعها لي أبدا. كانت فطائر كايل المفضلة.
كان أبي جالسا إلى الطاولة مع قهوته يقرأ الصحيفة وكأنه لم يحطم فكي قبل اثنتي عشرة ساعة. حين رفع بصره لم يكن في عينيه أدنى أثر للذنب.
كان كايل متكئا على المنضدة والهاتف بيده. نظر إلي وابتسم ساخرا
ما زلت تتكلمين بطريقة مضحكة قال وهو يبالغ في تقليد نطقي المتورم.
يبدو أن أبي لقنك درسا حقيقيا.
ضحك أبي دون أن يرفع عينيه عن الجريدة
هي محظوظة لأنني لم أكسر أكثر من فمها قال بلا مبالاة وهو يرتشف قهوته.
لحظة لم أستطع أن أتحرك. ظللت واقفة هناك وصوت الزيت وهو يشتعل في المقلاة خلف أمي يملأ
في داخلي توقف شيء تماما كالسكون الذي يسبق