فـاتوره الحسـاب بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

اطلعوا بره بيتي أنتوا الاتنين.. أنا زهقت منكم!
دي كانت الصرخة اللي رجهّا شريف في وشي وفي وش أمي.. بس المسكين ماكنش متخيل الرد اللي هيسمعه...
أنا الراجل هنا، وأنا صاحب الكلمة في البيت ده! اطلعوا بره أنتوا الاتنين!
رديت عليه بكل هدوء وبرود في الحقيقة.. ده بيتي أنا. قدامك ساعة واحدة تلم فيها حاجتك وتمشي.
كانت الساعة 4 الفجر. هنا قاعدة على الكرسي الليكازي، ضامة رجليها، والنور الوحيد اللي طالع في الصالة هو نور شاشة اللابتوب اللي على حجرها. بدأت الليلة بقلق طبيعي، بس قلبت برعب وتوتر لما شريف بطل يرد على تليفونه خالص.
فجأة، سمعت صوت مفتاح الباب.
شريف مادخلش زي الناس الطبيعية، ده دخل وهو هايم وفي حالة نشوة غريبة، بيدندن لحن مع نفسه وماخدش باله من هنا في الضلمة. ولما شافها، ولا اتهز، ولا حتى ملامحه اتغيرت من الكسوف.
ومن ضل باب المطبخ، ظهرت مامتها مدام هدى، لابسة الروب بتاعها ومربعة إيدها، وبصوت ناشف وقاطع قالت
يا أهلاً بالبرنس.. أخيراً شرفت. وإحنا هنا، البشر الغاديين، قاعدين بنقيس الحرارة طول الليل. ابنك كان بيغلي وسخن نار، وأنت...
شريف بصلها نظرة خاطفة كلها زهق، ورجع بص ل هنا. قرب منها وريحته ويسكي من النوع الغالي، ومعاها ريحة برفيوم حريمي مسكرة وغريبة جداً.
حاول يحط إيده على كتفها وهو بيهمس
يا حبيبتي، كانت ليلة خيالية! لفتنا الأنظار، وناس

تقيلة قوي من دبي والجونة كانوا هناك. أوعدك، هننقل من هنا ونروح مكان أحسن بكتير قريب!
هنا ما ردتش. بعدت عنه بجسمها عشان تهرب من الريحة اللي خنقتها. بصت له وما شافتش فيه شريك عمرها، شافت ممثل لسه مخلص نمرة ناجحة وجاي يكمل تمثيل دور الزوج المحب في البيت.
في اللحظة دي، افتكرت مشهد من 3 سنين.. لما كانت قاعدة على نفس الكرسي، وقدامها عقد بيع حصتها في شركة الستارتب اللي أسستها من الصفر، بمبلغ بسبع أصفار. شريكها وقتها ياسين، الذكي اللي فاهم الدنيا، بصلها وقال
يا هنا، متأكدة؟ بلاش تخلطي بين البيزنس والعيلة. الاستثمار في البشر هو أخطر رهان.. خصوصاً لو الرهان ده على فنان ومبدع مشاعره متقلبة.
وقتها ضحكت عليه. كانت فاكرة إنها بتستثمر في بيتهم ومستقبلهم.
باعت نصيبها عشان شريف ما يشيلش هم الفلوس، ويتفرغ للتلحين والمزيكا. بقت هي مديرة أعماله، اللي بتنظم المواعيد، اللي بتدفع الفواتير، والكتف اللي بيسند عليه. بنت البيت ده من الألف للياء بفلوسها وإيمانها بموهبته.
ودلوقتي، الاستثمار ده واقف قدامها، غرقان في برفيوم ست تانية، وبيوعدها بحياة جديدة في القاهرة الجديدة. ولا سأل عن ياسين ابنه العيان، ولا لاحظ عينيها المنفوخة من السهر. عالمه كله بيلف حوالين الأنا بتاعته، وهي مجرد ديكور في حياة الفنان.
قالت بهدوء شريف...
الهدوء ده هو اللي خلاه يوتره ياسين ابنه
كان بيموت من السخونية طول الليل.. حرارته وصلت 40.
كشر بضيق، وكأن مرض ابنه ده عكننة وقفت في طريق انتصاره
طيب ما مامتك موجودة أهي.. أكيد اتصرفتوا. أنا هقوم أنام شوية، ورايا بكرة يوم مصيري ومحتاج أركز في كل كلمة اتقالت لي بالليل.
ودخل أوضة النوم، وساب وراه ريحة البرفيوم الغريب تخنق المكان.
الصبح طلع بارد وكئيب. شريف نايم في سابع نومة، فارد دراعاته وكأنه بيحضن الجمهور اللي سقف له بالليل.
الأم ما اتكلمتش. حطت قدام بنتها فنجان قهوة مظبوط وطبق فطير سخن.. كانت حركة صامتة بتقول أنا جنبك، وكانت أقوى من أي مواساة.
هنا حاولت ترتب أفكارها جوزي رجع وش الفجر، ريحته ست تانية، وما فرقش معاه ابنه... الحقيقة واضحة زي الشمس، بس لسه كانت بتتمسك بأي حبل دايب، وبتقول لنفسها يمكن ظلمته.
وفجأة.. الموبايل رن. رسالة من صاحبتها مريم.
فتحت الشات..
أول حاجة، سكرين شوت من ستوري واحدة. صورة في سويت بفندق، إضاءة خافتة، وشريف في النص، حاضن بنت رفيعة، شفايفها حمراء صارخة ونظرتها فيها تلقيحة. إيده كانت على وسطها، وتحتها مكتوب أحلى سهرة مع الملحن الخطير بعد الحفلة 
هنا حست ببرودة في جسمها كله. كبّرت الصورة.. شافت الوشم اللي على إيد البنت، إزازة ، وفي الركن ورا.. جيتار شريف اللي هي سافرت وجابتهوله مخصوص من مدريد في عيد جوازهم.
وبعدها فيديو صغير.. نفس البنت، في نفس
الأوضة، بتضحك وبتقول كلام مش مسموع، وبعدين
لفت وباست شريف..
الموبايل وقع من إيد هنا. مامتها خدت الموبايل، بصت، ورجعته مكانه من غير ولا كلمة. ملامحها قلبت لصرامة تخوف.
قالت بجمود أنا هروح أقعد مع ياسين. وسابتها لوحدها مع الرماد اللي بقى جوه قلبها.
بقلم منال علي 
لما شريف صحي ودخل المطبخ ببرود وابتسامة
إيه يا حبيبتي، الدنيا عاملة إيه من غيري؟
هنا ما ردتش. حطت الموبايل قدامه على الترابيزة، والصورة مفتوحة.
الابتسامة اختفت.. وبدأ يتحول لشخص هجومي
وإيه ده؟ صحابك اللي م وراهمش غيري بيتجسسوا عليا تاني؟ أنتوا مش هتبطلو مراقبة وقرف؟
ولا حتى فكر يعتذر، ولا ينكر.
بعدها قامت العاصفة.. المواجهة المادية اللي كشفت له إنه عريان من غيرها. الأم دخلت وواجهته بالحقيقة إن البيت ده، والعربية اللي بيركبها، والبرفيوم اللي حاطه، كله بفلوس هنا. إنه مجرد ضيف ثقيل في مملكة هي اللي بنتها.
مشى شريف في صمت، وهو مش مستوعب إن البساط اتسحب من تحت رجليه.
بعد 6 شهور.. هنا رجعت لشغلها في التكنولوجيا، وبقت تدير مشاريعها أونلاين، ورفعت قضية الخلع.
في ليلة خريفية هادية، كانت قاعدة في التراس، وابنها ياسين بيلعب بالمكعبات قدامها، ومزيكا شريف الجديدة شغالة في الراديو بعيد.. المكعبات بتقع، والطفل بيضحك، وهي أخيراً ابتسمت من قلبها.. وهي عارفة إنها المرة دي استثمرت في نفسها
وفي ابنها، وده الاستثمار اللي ما بيخسرش أبداً.

تم نسخ الرابط