الـوجوه المستعارة بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

الجزء الثاني والاخير 
يا ساتر يا رب! كانت الوقفة خلف تلك الحيطة الباردة في الممر الضيق أصعب على قلبي من مراسم العزاء نفسها. كنت أسمع صوت "ريم" وزوجة خالتها "فريدة"، ولم يكن صوتهما يحمل ذرة من حزن الفقد، بل كان فحيحاً يخطط لمحو تاريخ كامل وكأنه مجرد خربشات بقلم رصاص تمسحها أستيكة الغدر.

بقلم منــال عـلـي 

كتمت أنفاسي وأنا ملتصقة بالجدار، شعرت أن دقات قلبي المتسارعة لها صدىً مسموع قد يفضحي في أي لحظة. ريم، زوجة ابني التي طالما ادعت الرقة، كانت توشوش فريدة بنبرة حادة:

"بكرة الصبح أول ما الشمس تطلع، هنكون في شقة إسكندرية.. لازم نخلص على العفش القديم وكل الورق اللي في الخزنة المستخبية، ونقفل الصفحة دي للأبد. شريف المسكين فاكر إننا رايحين نخلص إجراءات المدافن وتصاريح الدفن المتأخرة، مبيشكش في حرف مني، سلمته دقنه وهو مغمض."

سمعت ضحكة فريدة؛ كانت ضحكة خافتة تقبض الروح، ردت عليها بتهكم:

"طول عمرك ممثلة قديرة يا ريم.. عرفتي تلبسي توب الست المؤدبة وحرم المهندس المصون، وأنا اللي شيلت الليلة هناك سنين طويلة عشان نأمن الرجعة دي متوفره على روايات واقتباسات انسحبت بظهري ببطء شديد، ورجعت إلى صوان العزاء وقدماي لا تكادان تحملانني. لمحني "شريف" وأنا أمسح عرقاً بارداً غطى جبيني، اقترب مني بقلق: "يا ماما، إنتي اتأخرتي ليه؟ وشك

أصفر كدة ليه يا حبيبتي؟ إنتي تعبانة؟"

نظرت في عيني ابني، ورأيت فيهما تلك الطيبة الفطرية التي تصل أحياناً لحد السذاجة المؤلمة. ضغطت على يده بقوة وكأني أستمد منها الثبات وقلت: "مفيش يا حبيبي، شوية هبوط من الزحمة وكتمة النفس.. خدني على البيت يا شريف، مش قادرة أكمل دقيقة كمان هنا."

طوال طريق العودة، كانت ريم تجلس في المقعد الخلفي، تضع منديلاً على عينها وتمثل دور الابنة المكسورة التي فقدت أمها لتوها. كنت أراقبها عبر مرآة السيارة؛ كنت أرى وجهاً شيطانياً آخر غير الذي نعهده في العزومات والمناسبات.
في الصباح الباكر، بمجرد أن غادر شريف وريم المنزل "على أساس رحلة إسكندرية للمدافن"، لم أنتظر ثانية واحدة. أمسكت هاتفي واتصلت بالأستاذ "عادل"، المحامي وصديق عمر زوجي الراحل الحاج محمود.

"يا أستاذ عادل، أرجوك.. ابحث لي عن أي شقة في منطقة سموحة بالإسكندرية مسجلة باسم فاتن هارتلي أو ريم.. أريد أن أعرف ما هو الرابط السري الذي يجمعهما بتلك المدينة، وبأقصى سرعة."

ساعتان مرتا كأنهما دهر، ثم جاء الرد بصوت يرتجف:

"يا حاجة سعاد، الموضوع طلع كارثة! فاتن هذه لم يكن اسمها فاتن، كانت منتحلة شخصية للهروب من قضية توظيف أموال ضخمة في إسكندرية منذ 15 عاماً. وبناتها الاثنين -ريم وفريدة- كنّ شريكات أساسيات. ريم هي من غيرت اسمها بالكامل وانتقلت للمنصورة

لتبدأ (على نظيف) وتصطاد شاباً مرموقاً مثل شريف يحميها بلقبه وسمعته، بينما فريدة كانت الذراع المالي التي تدير الأموال المهربة في حسابات خارجية."

بقلم منال علي دارت بي الدنيا. هل يعقل أن ابني، مهجة قلبي، متزوج من "نصابة دولية"؟ تعيش معنا بوجه ملاك وهي غارقة في دماء وأموال ناس بسطاء خربت بيوتهم؟

عندما عادوا في المساء، كانت ريم تحمل حقيبة أوراق صغيرة، ووجهها "منور" وكأنها عائدة من رحلة استجمام. دخلت المطبخ لتبحث عن قهوتها، فدخلت خلفها مباشرة. وقفت أمامها وبكل هدوء الجبال قلت:
"يا ترى شقة سموحة لسه ريحة الورق المحروق فيها واضحة يا ريم؟ ولا فريدة لحقت تخلص المهمة وتحول باقي الحسابات لسويسرا؟"

سقط فنجان القهوة من يدها وتحطم إلى مئة قطعة. تحول وجهها للون الكفن، حاولت جاهدة استجماع قواها: "ماما.. إنتي بتقولي إيه؟ سموحة إيه وكلام إيه؟ إنتي أكيد تعبانة!"

في تلك اللحظة، دخل شريف على صوت التحطم. ارتمت ريم في حضنه وهي تبكي بهستيريا مصطنعة: "شريف! الحقني! مامتك بتقول كلام مرعب.. شكل الحزن على ماما فاتن أثر على عقلها، دي بتخرف يا شريف!"

نظرت لابني وقلت له كلمة واحدة هزت أركانه:
"يا بشمهندس، الورق اللي في الشنطة اللي في عربيتك هو اللي هيقولك مين اللي عقلها طار.. ومين اللي باعتك وباعت شرفك عشان تداري على جريمة عمرها 15 سنة. افتح الشنطة

يا ابني لو كنت راجل."
تجمد شريف، ونظراته تذبذبت بيني وبين ريم التي كانت ترتجف بين يديه. فجأة، أفلتها وخرج يجري نحو السيارة. في تلك اللحظة، سقط القناع تماماً عن ريم؛ اختفى البكاء وحل محله "غل" مخيف. صرخت في وجهي:
"كنتي سكتي يا حاجة سعاد.. كنتي سبتينا نعيش في حالنا.. إنتي اللي فتحتي على نفسك وعلى ابنك باب جهنم!"

ضحكت بوجع ورددت: "يا بنتي، الأرض دي اتروت بعرق الحاج محمود، والمال الحرام مبيثمرش في بيوت ولاد الأصول. البيت اللي يتبني على وجع الغلابة، لازم يتهد على دماغ اللي بنوه."

رجع شريف وهو يحمل الملف.. كان وجهه شاحباً كالموتى، وكأنه كبر عشرين سنة في دقيقتين. فتح الملف ونثر الصور والبطاقات القديمة تحت قدميها:
"إنتي مين؟ ريم اللي حبيتها ولا (راوية) النصابة اللي في الصور دي؟"

لم يطل الانتظار، فقد كان الأستاذ عادل قد أبلغ السلطات مسبقاً. كان البوليس على الباب، وخرجت ريم بالكلبشات، لتجد فريدة بانتظارها في سيارة الترحيلات بعدما تم القبض عليها على الطريق السريع.

جلس شريف على الكنبة، وضع رأسه بين يديه وانفجر في بكاء مرير.. بكاء الرجل الذي اكتشف أن حياته كانت كذبة كبيرة. اقتربت منه، طبطبت على كتفه بقلب الأم وقلت له:
"معلش يا ابني.. الوجع دلوقتي أحسن من العيشة في الحرام طول العمر. إحنا ولاد أصول، والأصول مبتفرطش في الحق، وربنا

أراد ينقذك قبل ما تغرق أكتر في رملهم الناعم."

تم نسخ الرابط