فـي عـزّ ضهـر أغسطس بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

في عزّ ضهر أغسطس، والحر واقف فوق طريق زراعي جانبي قبل مدخل قرية من قرى المنيا بكام كيلو، كان الهوا بيترعش من السخونة كأنه هيتحرق. لا طير طاير، ولا بني آدم ماشي. حتى صراصير الليل بدأت بدري من كتر القيظ.

بقلم منــال عـلـي 

على بعد مسافة طويلة من أقرب محطة بنزين، عربية ربع نقل خضرا قديمة كانت ماشية لوحدها على الطريق الترابي. فجأة عدّت النص شوية، والسواق حاول يلمّها بسرعة، فالعجل صرّخ على الأسفلت. العربية تمايلت يمين وشمال… وبعدين طارت من على الطريق ونزلت بمقدمتها في مصرف عميق محفور من ميّة السيول.

صوت الخبطة دوّى في الأرض زي طلقة نار.

الصوت وصل لطفل واقف عند طرف الغيط.

اسمه — قدام الناس — آدم.

آدم عنده ست سنين… بس عينيه مش بتاعة طفل. فيهم حاجة أكبر. أقدم.

تيشيرته واسع عليه، واقع من على كتفه. البنطلون مربوط بحبل مكان الحزام. وشه مليان تراب، وعلى دراعاته كدمات بنفسجي في مراحل مختلفة… بعضها لسه طازة.
وفي معصمه الشمال تلات علامات دايرة صغيرة… منتظمة زيادة عن اللزوم إنها تبقى صدفة.

أول ما سمع صوت الحادث، جسمه كله تجمّد.

هو عارف القواعد: ما تبقاش باين.
ما تعملش صوت.
ما تقربش من الطريق.

لكن بعد ثواني… سمع حاجة تانية.

أنين خافت طالع من جوه المصرف.

آدم ما فكّرش. جسمه اتحرك لوحده. غريزة بقاء

متوفره على روايات واقتباسات نزّل نفسه من على المنحدر، العشب الناشف بيجرح رجليه، والحصى بتتزحلق تحت كوتشيه المقطوع.
العربية كانت مقدمتها متطبقة لجوه، ودخان خفيف طالع من تحت الكبوت. شباك الباب اللي جنب السواق مكسور، والزجاج ماسك في الإطار زي سنان متكسّرة.

جوه العربية… كانت الحاجة زينب عبدالحميد.

شعرها الأبيض لازق في جبينها من العرق والدم. راسها مائلة على الدركسيون. الدم سايح على خدها ونازل على ياقة بلوزتها.
نفسها طالع ونازل بصعوبة… بس لسه عايشة.

آدم قرب من الشباك المكسور. وقف لحظة… وبعدين تسلّق لجوه بسرعة وحذر.

حِتّة إزاز دخلت في كفّه، بس ما صرّخش.

الألم عادي.
الصوت خطر.

ريحة بنزين وحديد سخن ودم مالية العربية.

عين الحاجة زينب كانت بترمش بالعافية. جرح كبير في فروة راسها بينزف ببطء.

آدم بص حواليه، لحد ما لقى فوطة قديمة مرمية جنب الكرسي. شكلها متوسخ بزيت قديم، بس سميكة.

عدّى فوق الكنبة النص، والزجاج بيكركر تحت ركبته، وضغط بالفوطة على الجرح بإيده الصغيرة المرتعشة.

همس بصوت ناشف من العطش: "لو سمحتي… ما تناميش. خليكي صاحية."

جفنها اتحرك… وبعد لحظة فتحت عينيها بالعافية.بقلم منال علي 

قالت بصوت ضعيف، بلكنة صعيدي هادية: "إنت… مش ملاك نازل من السما يعني؟"

آدم هز راسه: "لا يا طنط… أنا بس آدم.

"

"أنا زينب عبدالحميد…"

وهي بتتكلم، عينها نزلت على دراعه. شافت الكدمات. شافت آثار الحروق.
تعبير وشها اتغير… من دوخة لفهم.

"مين اللي عمل فيك كده يا حبيبي؟"

آدم سكت فجأة. عينه راحت ناحية الطريق.

همس: "سيد… سيد الغرباوي. أنا مفروض ماكونش هنا."

الاسم وقع عليها تقيل.

سيد الغرباوي مش مجرد راجل عصبي.
ده بيشغّل تجارة مخدرات بين مراكز كتير في الصعيد، بيفك العربيات المسروقة في مخازن مهجورة، واللي يقف في سكته… بيختفي.

من ست سنين، رجالة سيد دخلوا محل أدوات بناء كان بتاع عيلة عبدالحميد. سرقة مسلحة اتحولت لحريق.
وقتها قالولها إن مرات ابنها ماتت… وإن الجنين كمان ما عاشش.

ده اللي اتقال.

إيد الحاجة زينب المرتعشة مسكت معصم آدم. لمست العلامات الدايرة.

همست بإصرار رغم الدم اللي بتخسره: "استحمل… ابني جاي."

آدم ما فهمش الأمل اللي في صوتها.

لكن من بعيد… بدأ صوت مكتوم يهز الهوا.

مش رعد.

محركات.صوت عربية جيب شرطة شق الطريق الزراعي بسرعة. التراب بيتطاير وراها.

نزل منها راجل طويل، عريض الكتفين، لابس مدني لكن باين عليه النظام والانضباط.

ده كان المقدم ياسين عبدالحميد.

ست سنين وهو بيدوّر على الحقيقة.
ست سنين وهو مش مصدق رواية المستشفى.
ست سنين شايف في كوابيسه طفل ما شافوش.

أول ما شاف العربية في المصرف، قلبه

دق بعنف.

"أمي!" صوته خرج مبحوح وهو بينزل على المنحدر.

شد باب العربية، وبص جوه.

شاف أمه… عايشة.

وشاف طفل نحيف، مغطى بالدم، راكع فوق الإزاز، ولسه ضاغط على الجرح.

الحاجة زينب همست: "هو اللي أنقذني يا ياسين… بص له."

ياسين بص للطفل.

الدنيا سكتت.

انحدار الأنف.
خط الفك.
ولما آدم رفع عينه بخوف…

نفس اللون.
نفس العسلي.

ياسين صوته خرج مكسور: "اسمك إيه؟"

"آدم."

سأله بهدوء: "بتعيش مع مين؟"

"سيد الغرباوي… وقعت عشاؤه امبارح. هيولع فيّ."

الكلمات ضربت ياسين أقسى من أي رصاصة.

ست سنين فاتوا…
وهو مصدق إن ابنه مات قبل ما يتولد.

لكن قدامه طفل عمره ست سنين…
نسخة مصغرة منه.

الحاجة زينب، وهي محمولة على النقالة، بصت لابنها وقالت بصوت متقطع:

"ده ابنك يا ياسين… أنا حاسة بيه."


اللي حصل بعد كده كان أسرع من العاصفة.

مداهمة لمخازن سيد الغرباوي.
قبض على رجالة.
فتح ملفات قديمة.
مراجعة سجلات مستشفى كانت متقفلة بتوصية.

واختبار DNA أكد اللي كان واضح من أول نظرة.

آدم…
مش مجرد آدم.

اسمه الحقيقي:

آدم ياسين عبدالحميد.

في أوضة مستشفى خاصة في المنيا، آدم قاعد على سرير نضيف، قدامه طبق شوربة سخنة. ضمادات ملفوفة على إيده. كريم على كدماته.

بص للمقدم ياسين وسأله بصوت خافت:

"أنا عملت حاجة غلط؟"

ياسين بلع ريقه، وصوته

كان مليان بس ثابت:

"لا يا آدم…
إنت في بيتك."

لأول مرة في حياته، آدم سند ضهره على رجل كبير…
من غير ما ينتفض.

برا المستشفى، صوت رعد حقيقي لفّ السما.

المرة دي…
ماكانش خوف.
كان حساب.

تم نسخ الرابط