صفقـة الـعمـر بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

صـوت الـمزاد كـان بـيرن في الـممر الـمغبر بـتاع مستودع التخزين، سريع وآلـي، كـأن الكلام مـالوش أي مـعنى.

أم يائسة إشترت مخـزن مليان أكياس قـمامة — اللي لاقته جوه صدمها
بقلم منــال عـلـي 
راحت منى عبدالعزيز واقفة جنب الباب المعدني المـصدئ، إيديها ضامها على صدرها. ماكنتش ناوية تيجي هنا أصلاً، وكان نفسها عمرها ما تيجي.

لكن اليأس ليه طريقة إنه يجذب الناس لأماكن عمرهم ما تخيلوها متوفره على روايات واقتباسات منى عندها ستة وتلاتين سنة، أم عازبة لطفلين، غارقة في حياتها بصمت. فواتير طبية لعلاج الربو بتاع ابنها. الإيجار متأخر. ساعات شغلها في المطعم اتقصّت تاني. كل ليلة كانت نايمة وهي بتحسب أرقام عمرها ما بتتزن.

شافت فيديو على النت عن مزادات وحدات التخزين — ناس بتلاقي تحف، مقتنيات، وحتى فلوس مخفية. أغلبه كان كلام فارغ، هي عارفة. بس لما تكون واقفة على حافة فقدان كل حاجة، حتى الكلام الفارغ بيبقى

أمل. بقلم منــال عـلـي

باب المعدن صرخ وهو بيتفتح.

جوه الوحدة ماكانش فيها غير أكياس قمامة سودا.

عشرات منها، مترصصة من الأرض للسقف. لا أثاث، لا صناديق، لا حاجة قيمة باينة.

ضحكة خفيفة عدّت وسط الناس.

واحد قال: "حد فعلاً نظف البيت صح."

واحد تاني قال وهو بيبعد: "ريحة مكب نفايات."

المزايدين هزّوا راسهم ومشو. محدش عايز القمامة.

منى ابتلعت ريقها.

هي كمان ما كانتش عايزاها.

لكن لاحظت حاجة غريبة: الأكياس مربوطة بعناية، كلها بنفس الطريقة، مترصصة تقريبًا… باحترام. مش متفرقة عشوائي زي القمامة العادية.

المزادي تنهد: "ألف جنيه حد؟"

قلب منى بدأ يدق بسرعة. ألف جنيه كانت فلوس البقالة، فلوس البنزين. مخاطرة ماينفعش تاخدها.

لكن المشي بعيد كان أحسن أسوأ.

"ألف جنيه"، قالت بصوت واطي بالكاد مسموع.

ماحدش رفع السعر.

"اتباعت."

خبط المطرقة على الطاولة.

وفجأة، بقت منى مالكة وحدة تخزين مليانة قمامة.
بقلم

منــال عـلـي 
إستلفت منى عربية جارها ورجعت بعد الظهر. مدير المستودع سلّمها المفتاح وكليبورد، وهو بيخفي ابتسامته بصعوبة.

"حظ سعيد"، قال.

فتحت الباب لوحدها.

أول حاجة شدت أنفها — غبار، بلاستيك، ريحة بايظة بس مش تعفن. مش فضلات أكل، مش فساد.

سحبت الكيس الأول على الشمس وركعت جنبه. إيديها كانت بتترعش وهي بتفك  العقدة.

جوه كانت هدوم.

مطوية، نظيفة، مترصصة بعناية.

إستغربت مني

فتحت كيس تاني، وكيس تالت.

أكتر هدوم. جزمة متغلفة في ورق. جاكيتات شتوي متقفلة في بلاستيك. لبس أطفال التيكتس لسه عليه.

دي مش زبالة 
دي حياة كاملة كانت مركونة.

قعدت على كعبيها، مش فاهمة.

الكيس اللي بعده كان فيه كتب، ألبومات صور، ظرف مرتب مكتوب عليه: شهادات ميلاد.        بقلم منــال عـلـي 

قلبها إتقبض

همست: "مين اللي بيحط حياته في أكياس قمامة؟"

فتحت كيس جنب آخر الوحدة وتوقفت.

جوه

كان فيه جرة صغيرة.

رمادي رماد، تقيلة.

سقطت الكيس وورجعت ورا وهي خايفة وقلبها بيدق بسرعة.

حد كان مخبّي شخص جوه.

إيديها كانت بترعش، لقت صندوق جزمة جنب الجرة. جوه كان فيه رسائل، عشرات منها.

ترددت، بعدين شالت واحدة:

"لو إنت بتقرا ده، أنا آسفة."

الرسائل مكتوبة بخط مرتب، مؤرخة على مدار سنين. بتحكي قصة منى ماكنتش متوقعتها.

الوحدة كانت ملك ست اسمها الحاجة نوال حسن.

أرملة. أم. جدة.

الحاجة نوال فقدت جوزها الأول. بعدين بنتها في حادث سيارة. وبعد كده مشاكل الحضانة، فواتير طبية، مصاريف قانونية. في النهاية فقدت بيتها.

نقلت حاجاتها لوحدة التخزين، كيس وراء كيس، وهي بتحاول تحافظ على كرامتها قد ما تقدر.

في آخر رسالة، كتبت الحاجة نوال:

"ماكنتش عايزة ناس غريبة تتلاعب بحاجتي وتضحك على حياتي. علشان كده حزمت كل حاجة بنفسي. بعناية. كأنها مهمة. لأنها فعلاً مهمة."

منى غطّت باظنها على بقهها.

رسالة تانية

شرحت الجرة — رماد بنت الحاجة نوال. كانت خايفة يترمي لو ماقدرتش تتابع المدفوعات.

آخر رسالة كانت مؤرخة قبل تلات شهور.

تم نسخ الرابط