حسبه بورمه.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

«هي مامتك فاكرة بجد إني همشي على هواها؟ خليها تعيش في أوهامها، الست دي بتموت في التلاعب وعمرها ما هتتغير.» بقلم منــال عـلـي 
«يا جنى، بس.. بلاش تتعصبي من أولها، ممكن؟ اسمعيني بس الأول.»
جنى كانت لسه مقلعتش عبايتها حتى، لما وقفت في الطرقة وبصت لجوزها. أدهم مكنش في المطبخ زي عادته كل يوم بالليل، كان قاعد في الصالة، على طرف الكنبة بالظبط، كأن حد منبه عليه يقعد كدة ويستنى. موبايله كان محطوط على وشّه على التربيزة. النور كان عالي أكتر من اللزوم، والتلفزيون مطفي.. والشقة كلها كان فيها نوع من السكوت اللي بيقولك فوراً إن: "الكلام خلص، والقرار اتأخد خلاص، ومفاضلش غير إننا نبلغ الشخص الوحيد اللي محدش خد رأيه أصلاً." بقلم منــال عـلـي 
قلعت جنى جزمتها براحة، وعلقت طرحتها وعبايتها، ولمت شعرها بإيدها ودخلت الأوضة. مكنتش مستعجلة، عشان عارفة إن أدهم لما بيتكلم بالنبرة دي، مفيش وراها خير أبداً. نفس اللي حصل المرة اللي فاتت لما والدته طلبت تقعد عندهم "يومين بس" عشان بتعمل سنانها، والموضوع قلب بتلات أسابيع مسيطرة فيهم على المطبخ، وبتفتش ورا جنى بتطبق الفوط إزاي، وبتقول لابنها إن مراته قلبها جاحد ومبتراعيش الكبار.
«في إيه؟» سألت جنى بهدوء.
أدهم اتنحنح، وفرك إيده في ركبه، وبص ناحية الشباك بعيد عنها.
«مفيش حاجة تقلق.. أمي كلمتني، بتمر بظروف صعبة شوية اليومين دول، ومحتاجة مساعدة.»
جنى قعدت قدامه وسندت ضهرها، وحطت إيدها على مساند الكرسي ومالت براسها، كأنها مش بتسمع جوزها، كأنها

بتسمع بياع بيحاول ينقي أحسن طريقة يفرش بيها بضاعته.
«وماذا يعني بالظبط "شوية" مساعدة دي؟» سألت متوفره على روايات واقتباسات «يعني.. حاجات بسيطة، مش قصة. إنتي عارفة إنها لوحدها والدنيا صعبة عليها، ضغطها بيعلى ويوطى، وموضوع المستشفى ملخبطها، والحنفية في شقتها بتنقط، وعايزة تروح السجل المدني تخلص ورق، وبعدين تعدي على الصيدلية.. وموضوع فواتير الغاز والكهرباء دخل في بعضه عندها. بصراحة، هي محتاجة حد يسندها.»
كان بيتكلم بكلام عايم، كأنه عارف كويس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد "شوية طلبات". جنى فضلت ساكتة. ولما أدهم حس إن أسلوب "السياسة" مش جايب نتيجة، دخل في الموضوع دغري.
«أنا قلت لأمي خلاص إنك هتساعديها. مش كل يوم طبعاً، فترة بس. تروحي معاها مشاويرها، وتعمليلها أكلة تكفيها يومين تلاتة، وتشوفيلها الفواتير دي، وممكن تطلبي لها سباك. ولو لزم الأمر، ممكن تباتي معاها لما أكون أنا مشغول.»
جنى مبربشتش حتى. نقلت عينيها بس للموبايل المحطوط على التربيزة ومقلوب على وشّه. ده معناه إن المكالمة لسه خالصة من شوية.. وغالباً حماتها كانت لسه مستنية الرد على الخط التاني: يا ترى "المحروسة" قالت إيه؟ بدأت تبرطم ولا لسه؟
«يعني إنت خلاص بلّغتها؟» جنى سألته وهي بتكرر كلامه.
«أيوه، وإيه المشكلة؟ ده شيء عادي يعني.» بقلم منــال عـلـي 
«ومن إمتى وإنت بتوزع وعود بلساني؟»
أدهم انكمش شوية كأن السؤال غريب فلمعليه: «جنى، متبدأيش.. أنا مش طالب منك تشيلي جبال، دي مجرد مساعدة، هي مش قادرة تتصرف لوحدها دلوقتي.
»
كلمة "هي" دي استخدمها بذكاء، لدرجة إن جنى كانت هتبتسم بسخرية جواها. ملقالش "أمي" ولا "حماتك"، لأ.. ده شخص مجهول ومحتاج مساعدة. تمثيلية متقنة للواقع، الناس دايما بيخفوا تحكمات غيرهم وراء كلام ملوش لون.
جنى كانت حافظة الفيلم ده. الأول والدته تتصل بصوت تعبان وتحكي عن الضغط والتعب واللخبطة والروتين.. وبعدين ترمي كام كلمة في النص عن إن جنى "شاطرة ومنظمة" و"بتفهم في الحاجات دي بسرعة" وإن "الستات ليهم نظرة في المواضيع دي أحسن". وبعدين يرجع المحروس ابنها البيت يقدم الموضوع وكأن مراته المفروض تفرح إنها هتشيل مسؤولية حياة حد تاني فوق كتافها.
جنى جربت في أول سنة جواز إنها تمشي حالها. راحت معاها تختار ستاير المطبخ، وقضت يومين إجازتها بتحاول تهدي أعصابها من كتر النصائح اللي بتترمي من غير طلب. وراحت معاها للدكاترة. وملت لها طلبات تقديم على النت عشان "ماما مابتفهمش في المواقع". لحد ما جت في يوم من غير ميعاد وقالت في الصالة: «أنا هقعد معاكم يومين»، واليومين بقوا خمسة.. وفي اليوم التالت بدأت التعليقات، وفي الرابع السؤال عن الخلفة، وكأنها صاحبة بيت وليها حق في كل تفصيلة.
كل ده اتراكم. كل طلب بسيط بقى التزام، وكل مساعدة بقت فرض، وكل مرة كانت بترفض كانت بتتحول في نظرهم لـ "جاحدة".
ودلوقتي، وهي بتبص لجوزها، كانت عارفة هو هيقول إيه.
«والمفروض أعمل إيه بالظبط؟» سألت.
أدهم خد نفسه كأنه صدق إنه لقى فرصة: «مفيش حاجة صعبة. بكرة تروحي معاها تراجعي الورق. وبعد بكرة تاخديها المستشفى. ويوم السبت
تساعديها في الطبيخ. ويوم الاثنين تروحي معاها المصلحة الحكومية. وبعدها ممكن تروحوا تشتروا طلبات البيت..»
سكت بس لما لاحظ إنها محركتش راسها ولا مرة بالموافقة.
«وبعدين؟» جنى كررت كلمتها.
«وبعدين حسب الظروف.»
«ظروف إيه؟»
«يا جنى متمسكيش في الكلمات.. أنا بشرح لك إن أمي محتاجة مساعدة.»
«ولحد إمتى؟»
اتنهد وبدأ يتحرك في الأوضة زي ما بيعمل دايماً لما يحس إن الأمور هربت من إيده: «ليه بتعقدي الموضوع؟»
«أنا بحاول أفهم إيه اللي اتخطط لي من غير ما حد ياخد رأيي.»
صوته علي شوية: «بلاش مبالغة بقى!».. وبعدين سكت فجأة.
كان باين إن الكلام مش ماشي زي ما هو متعود. المشكلة مكنتش إنها بتزعق، المشكلة إنها مدخلتش في اللعبة أصلاً.
«قولها بصراحة،» جنى قالت بهدوء، «إنت ومامتك خططتوا لكل حاجة بدالي؟»
تردد لحظة: «أيوه.. تقريباً.»
السكوت ساد المكان. جنى مكنتش غضبانة، كانت بس فاهمة.
وقالت: «مش هعمل كدة.»
«ولا حاجة خالص؟»
«ولا حاجة.»
صوته علي: «حتى المشوار بتاع المستشفى؟»
«لأ.»
«ولا الورق؟»
«لأ.»
«ولا الطبيخ؟»
«أدهم، إنت بتتكلم بجد؟»
حاول ينطق، وبعدين سكت. كان بدأ يفهم إن السيستم اللي متعود عليه مابقاش شغال. مفيش مقاومة هيقدر يكسرها، فيه بس رفض واضح وصريح.
قال في الآخر بصوت واطي: «إنتي قاسية يا جنى.»
جنى ابتسمت ابتسامة هادية وتعبانة: «القسوة بجد هي إنك تفرض عليا دور أنا موافقتش عليه من الأول.»
السكوت رجع تاني.. وبره الشقة كانت أصوات الشارع والناس ماشية عادي، بس جوه البيت كان فيه حاجة اتغيرت للأبد..
عشان ببساطة، محدش بقى قادر يتحكم فيها تاني.

تم نسخ الرابط