صاحبـه البيـت.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز


  قاطعته بهدوء: "وعارفة أماني هتقول إيه وهترد تقول إيه."
وبعدين كملت بقوة: "بقالي ٣ سنين بطبخ بلسانهم.. ٣ سنين مأكلتش صنف واحد أنا بحبه على سفرتي.. مابعملش حاجة بمزاجي. بكرة يوم المرأة، مش كده؟ أهو أنا بقى قررت أبقى (المرأة) اللي في البيت ده."
فهم الرسالة، وظهر ده على وشه.. اتنهد وقال: "خلاص.. اعملي اللي إنتي عايزاه."
* "شكراً."
* "بس أنا مش هبرر لها حاجة."
* "ماتشغلش بالك.. أنا اللي هقوم بالواجب."
قضت اليوم اللي قبل العزومة كله في المطبخ.. بس الروح كانت تانية خالص. مكنش فيه قلق ولا إحساس بإنها في امتحان. المرة دي كانت بتلعب في ملعبها متوفره على روايات واقتباسات 
شغلت أغانيها المفضلة، فتحت الشباك ودخل هوا مارس الساقع بريحة الندى والربيع اللي قرب يهل. كانت بتقطع وتتبل وتدوق.. ولأول مرة من وقت طويل، حست إنها بتطبخ بجد عشان هي "عايزة"، مش عشان "لازم".
السفرة مكنش ليها أي علاقة بملف الست نفيسة.
مفيش مكرونة بشاميل غرقانة سمنة.. بدالها عملت "سلطة خضار مشوي بدبس الرمان وجبنة كيري".
مفيش الأصناف

التقيلة اللي بتفرضها عليها.. بدالها عملت "ستيك مشوي بصوص المشروم" و "رز بالخلطة" يجنن.
وفي نص السفرة، حطت بطه كبيرة، مدهونة بالخردل والعسل والتوم.
لما أحمد دخل المطبخ، وقف مبهور: "إنتي عملتي كل ده لوحدك؟"
ابتسمت: "أمال مين؟"
قال لها: "الريحة بجد مش طبيعية.. تجوع!"
قالت له بكل ثقة: "عارفة."
وصلت الست نفيسة ومعاها أماني، والعيال جروا على التلفزيون.. دخلت الحماة وبإيدها علبة الشيكولاتة، وبصت لنورا النظرة المعتادة: نصها "أهلاً" والنص التاني "وريني بقى نفذتي اللي قولتلك عليه ولا لاء".
دخلت الست نفيسة المطبخ بخطوات واثقة، كأنها داخلة تفتش على كتيبة عسكرية. وراها أماني كانت بتبص يمين وشمال، وعينيها بتدور على "المنيو" اللي بعتوه.
أول ما الست نفيسة وقفت قدام السفرة، ملامحها اتغيرت. عينيها وسعت، وبصت للطباق بصدمة مكتومة، وكأنها بتدور على "المكرونة البشاميل" الضايعة وسط الأصناف الجديدة.
أماني نطقت بصوت فيه نبرة لؤم:
"إيه ده يا نورا؟ فين السلطة اللي ماما قالت لك عليها؟ وإيه الفريك ده؟ إحنا مش متعودين ناكل الأكل
ده في العزومات!"
نورا خدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت:
"أهلاً يا أماني.. نورتي. والله يا حبيبتي أنا قولت أغير شوية، مش معقول كل سنة ناكل نفس الأصناف. وبعدين النهاردة يوم مميز، وحبيت أعمل أكلات أنا متميزة فيها وبحبها.. ذوقي بس وهتدعيلي."
الست نفيسة فضلت ساكتة، وحطت إيدها على وسطها وهي بتبص لأحمد اللي كان واقف بعيد بيحاول يداري توتره في الموبايل. قالت بصوت واطي بس حاد:
"بس أنا بعتلك ملف فيه كل حاجة يا نورا.. وتعبت نفسي وكتبت الملاحظات عشان أحمد بيحب كدة."
نورا قربت منها وبكل أدب طبطبت على كتفها:
"تسلم إيدك يا ست الكل، الملف فعلاً كان فيه مجهود كبير.. بس أنا قولت أريحك المرة دي من الحيرة، وأفاجئ أحمد وأفاجئكم بحاجة جديدة من إيدي. أحمد داق الأكل وعجبه جداً.. مش كدة يا أحمد؟"
أحمد لقى نفسه في "زنقة" الكلاب، بس ريحة البط المشوي كانت لسه في مناخيره، فقال بسرعة:
"بصراحة يا ماما، الريحة تجوع فعلاً.. نورا تعبت النهاردة، خلينا ندوق."
قعدوا كلهم على السفرة. الجو كان فيه "كهربا" في الأول. الست نفيسة
خدت أول معلقة من طاجن الفريك وهي بتكتم ملامحها، لكن أول ما داقته، غصب عنها ملامحها لانت. الطعم كان غني، والتوابل كانت مظبوطة بالملي، والبطة كانت دايبة زي الزبدة.
أماني حاولت تلاقي "غلطة" في السلطة المشوية، بس كانت بتاكل وهي ساكتة وبتاخد معلقة ورا تانية.
بعد شوية، الست نفيسة سابت الشوكة وقالت وهي بتبص لنورا بنظرة فيها "اعتراف" ضمني بالهزيمة:
"نفسك في الأكل حلو يا نورا.. مكنتش أعرف إنك بتعرفي تعملي الفريك بالطريقة دي."
نورا ردت بذكاء:
"ده من ذوقك يا ست الكل.. اتعلمت منك إن النفس هو أهم حاجة، بس المرة دي قررت أحط نفسي أنا في الأكل."
العزومة خلصت بسلام، ولأول مرة أماني ملمستش درفة في المطبخ ولا عدلت رصة كوباية. وهي ماشية، الست نفيسة مالت على نورا وقالت لها بوشوشة:
"بقولك إيه.. ابعتيلي طريقة تتبيلة البطة دي على الواتساب.. عشان أماني عايزة تعرفها."
نورا ضحكت من قلبها وهي بتقفل الباب وراهم.. بصت لأحمد اللي كان ممدد على الكنبة وشبعان، وحست إن البيت أخيراً بقى "بيتها"، والسفرة بقت "سفرتها".
نورا كسبت المواجهة
بالذكاء والطعم الحلو، مش بالخناق.

تم نسخ الرابط