تمن الكرامه.. بقلم منــال عـلـي
كلمة "عادي" دي.. كانت بتكسر فيها حتة جديدة كل مرة.
في ليلة مطر زي دي، نورا كانت لسه راجعة من شغلها مهدودة، وموبايلها رن.
كانت منار، أخت عصام الصغيرة، بتكلمها وصوتها بيترعش:
— «نورا.. إنتي لوحدك؟»
— «أيوة يا منار، في إيه؟»
— «لازم أقولك حاجة.. ضميري مش مريحني، بس بالله عليكي ما تقوليش إني قولتلك.»
وسكتت لحظة كأنها بتجمع شجاعتها.
— «قولي يا بنتي في إيه؟ قلقتيني.»
— «ماما.. هي اللي مانعة إنكم تسيبوا البيت. الفلوس كانت موجودة في البنك من قبل ما تتجوزوا أصلاً. هي اللي قالت لعصام يخليكم هنا.. عشان تفضل كاسرة عينك وتتحكم فيكي وفي حياتك وتفضل هي الكل في الكل.»
نورا حست إن الأرض بتلف بيها. الموبايل كان تقيل في إيدها كأنه حجر.
— «إنتي متأكدة من الكلام
— «سمعتهم بودني أكتر من مرة.. وعصام وافقها عشان ما يزعلهاش.. وعشان "يوفر" الفلوس لنفسه.»
في اللحظة دي.. حاجة جوه نورا انكسرت للأبد، وصوت الكسرة كان عالي قوي جوه قلبها.
دلوقتي، وهي واقفة قدام الكنبة والبطانية الخشنة، كل الـ ١١ شهر دول مروا قدام عينيها زي شريط سينما حزين.
— «هتفضلي واقفة تتفرجي على الكنبة؟» قالتها أم عصام بضيق وهي ماشية ناحية أوضتها.
نورا رفعت عينيها وبصت لها بقوة أول مرة تظهر:
— «١١ شهر يا أم عصام.»
أم عصام وقفت واستغربت:
— «إيه؟ بتقولي إيه؟»
— «١١ شهر وأنا فاكرة إن القسوة دي "نظام"، وإن الذل ده "صبر"، وإن كدب ابنك "ظروف".»
الجو هدي فجأة. صوت المطر بره بقى أوضح. متوفره على روايات واقتباسات
— «أنا مش فاهمة إنتي بتخرفي
— «قصدي على الشقة اللي ما حصلتش. على الفلوس اللي مركونة في البنك. على كدب عصام عليا، وعلى إنكم قررتوا تمسحوا شخصيتي وتعيشوني هنا خدامة تحت رجلكم.»
وش أم عصام اتغير لأول مرة. مش غضب.. كان خوف مستخبي ورا التجاعيد.
— «مين اللي قالك الخرافات دي؟»
— «منار.. اللي كانت أشجع من ابنك بكتير.»
سكتت أم عصام، ومقدرتش تنطق بكلمة. الحقيقة كانت أوضح من لمبة الصالة الصفراء الباهتة.
نورا في الليلة دي ما نامتش على الكنبة. دخلت الأوضة، لمّت كل هدومها في شنطة واحدة، وسابت ورقة صغيرة على المخدة:
"أنا مش ماشية عشان الكنبة ولا عشان المطر.. أنا ماشية عشان الـ ١١ شهر اللي دفنتوني فيهم بالحيا. أنا مش هعيش ضيفة في بيت المفروض إنه بيتي.
بعد كام أسبوع، نورا كانت قاعدة في شقة صغيرة في وسط البلد، إيجار بسيط بس بمليون جنة. فيها شباك كبير بيدخل نور الشمس كل صبح. تعبت؟ أيوة. عيطت؟ كتير. بس لأول مرة من سنة كانت بتتنفس هوا نضيف، من غير ما تستأذن من حد.
عصام حاول يرجع.. اعتذر، عيط، وعدها بالشقة اللي في التجمع فوراً.
بس هي كانت فهمت الدرس الصعب:
مش كل اللي بيتقال عليه "حب" وحماية.. بيكون حب. ساعات السجن بيبقى اسمه "بيت العيلة".
وفي يوم، وهي واقفة في بلكونتها الصغيرة بتشرب شاي بقرنفل، فهمت إن العدالة مش دايما إن اللي ظلموك يقعوا.. العدالة الحقيقية إنك إنتي اللي تقفي على رجلك تاني، وتعيشي حياتك بكرامة، من غير ما تحتاجي إذن عشان تفتحي
أو عشان تتنفسي.
تمت