رجوع الغريب بقلم منــال عـلـي
وشها بقى زي الورقة البيضاء، وهمست بخوف:
— «ياسين!»
وفجأة طلع من وراها صوت طفل:
— «ماما؟ مين ده؟»
ظهر ولد عنده حوالي 9 سنين.. شعره منكوش، وعنيه خضراء زيه بالظبط. **يوسف**.
ياسين حس إن الزقاق كله بيلف بيه. يوسف مسك إيد أمه بحذر وقاله:
— «يا عمو، إنت بتضايق ماما ليه؟»
نور وقفت قدام ابنها كأنها بتحميه بكيانها كله، وقالت لياسين بجمود:
— «لازم تمشي من هنا.. حالاً.»
ياسين صوته كان بيقطع:
— «أنا دفنتك بإيدي.. قالوا لي إنك موتي في حادثة الميكروباص!»
ردت ببرود يوجع:
— «عارفة هما قالوا لك إيه.. دلوقتي اتفضل من هنا، إنت بتخوّف ابني.»
— «ابنك؟» صوته علي بهستيرية.. «ده ابني أنا كمان؟»
نور ضغطت على سنانها وقالت: «اسمه يوسف.»
مردتش بـ "أيوة"، بس الاسم والملامح كانوا كافيين. ورزعت الباب في وشه.
ياسين فضل واقف قدام الباب بيترعش، مش قادر يستوعب إن حياته كلها كانت كدبة مرسومة بالمللي.
يومها، ياسين منامش.
— «البيعة اتلغت يا حاج بكر.. والمنطقة دي مش للبيع، ولو السما انطبقت على الأرض.»
رجع الزقاق الفجر، من غير البدلة الغالية، ومن غير "عم سليمان" والسواقين. وقف بعيد وشاف "نور" وهي بتوصل "يوسف" المدرسة.. كانت بتضحك له ضحكة نسيها من سنين.
أول ما مشيوا، طلع مفتاحه القديم اللي لسه معاه، ودخل البيت.
ريحة البيت كانت مخبوزات وصابون "نابلسي شاهين".. ريحة دافية. شاف طبقين على الطبلية، وبرطمان فيه فكة "تحويشة" مش مكملة 200 جنيه.
طلع الدور الفوقاني، ولقى ورق وفواتير وشهادة ميلاد..
اسم الأب: "غير مدرج".
التاريخ كشف كل حاجة.. نور كانت حامل وهي بتهرب من الموت "المزيف".
الباب اتفتح ويوسف دخل الأول.. صرخ لما شاف ياسين. نور طلعت تجري وهي مرعوبة:
— «إنت دخلت هنا إزاي؟ إنت بتقتحم خصوصيتنا؟»
ياسين بصلها وعينه مليانة دموع:
— «كنت محتاج الحقيقة يا نور.. ليه عملتي فيا وفيكي كده؟»
الحقيقة
تهديدات.. رشاوي لموظفين في المشرحة.. وتمثيلية الحادثة. خيرت نور بين إنها تختفي وهي حامل، أو إنها تموت بجد هي واللي في بطنها.
نور همست بكسرة:
— «قالت لي لو فكرتي ترجعي له.. هخلي الحادثة حقيقية المرة دي.»
ياسين راح لقصره وواجه أمه وسط الرخام والخدم.
— «نور عايشة يا أمي.. وابني عايش.»
الست كريمة متهزتش، وقالت ببرود:
— «كنت بحميك من واحدة "بيئة" كانت هتاخد فلوسك وتضيع برستيجك وسط العائلات.»
رد عليها بقهر:
— «إنتي حرقتي حياتي وحياة ابني عشان "برستيج"؟»
بكل نفوذه، وبالتلاعب اللي اتعلمه في السوق، ياسين حاصر أمه قانونياً وهددها بالفضيحة والبلاغات لو قربت من نور أو يوسف تاني.. ومضاها على تنازل بقطع أي صلة بيهم بقلم منال علي لما رجع الزقاق، يوسف كان بيسمع كل حاجة من ورا الباب. سأل ياسين ببراعة طفل:
— «إنت مهتم بينا ليه؟»
ياسين
— «عشان كان لازم أكون هنا من زمان.. وعشان مش همشي تاني أبداً.»
قعدوا التلاتة مع بعض، ونور بصت ليوسف وقالت له:
— «يا يوسف.. فيه حاجة لازم تعرفها.»
ياسين قلبه كان بيدق زي الطبل، وقال:
— «أنا بابا يا يوسف.»
يوسف سكت شوية، وبص في ملامح ياسين:
— «طيب ليه مكنتش بتيجي تشوفنا؟»
ياسين مهربش من السؤال:
— «عشان فيه ناس كدبت عليا.. وعشان أنا مصدقتهم ومالحقتش الحقيقة. بس النهاردة، أنا بختار إني أكون معاك.»
يوسف فكر شوية وقاله:
— «ماشي.. بس بشرط، تعلمني العب كورة "شراب" في الزقاق زي العيال، وتجيب لي العجلة اللي ماما مكنتش قادرة تجيبها.»
ياسين ضحك ودموعه نازلة:
— «من عنيا.. أحلى عجلة في مصر كلها.»
بيت "زقاق المايل" فضل زي ما هو، تعبان من بره ومقشر.. بس من جوه، بقى فيه حكاية جديدة.
ياسين عز الدين، الملياردير اللي كان بيحسب كل حاجة بالورقة والقلم، اكتشف إن أغلى صفقة كسبها