لـيله مـن ليالي طـوبـه بقلم منــال عـلـي
حط شنطته جنب الباب بحرص، كأنه خايف تضيع من قدام عينيه.
في الليلة دي، ياسين قعد يسأله أسئلة كتير: "بتحب الكورة؟ بتعرف تصلح العجل؟ طيب رجلك بتوجعك من الحديد ده؟" وبعد ما أكلنا "سندوتشات" بسيطة، فضلت صاحية قلقانة من أي حركة، وكل تزييق في الخشب كان بيخليني أنط من مكاني.
الصبح، نزلت الشغل قبل الشروق، ولبست جزمتي بالراحة عشان ما أصحيهمش. بس لقيت عم منصور قاعد على الكنبة، لابس جهازه ومستعد، وإيده في حجره كأنه صاحي من بدري قوي.
قالي بصوت فيه عزة نفس: "هكون مشيت قبل ما ترجعي."
أومأت براسي وقلت له: "في قهوة في المطبخ، اشرب قبل ما تمشي."
يوم الشغل كان طويل ومرهق، حسابات وتدقيق ونقاشات مع الموردين، ورجعت البيت وأنا راسي بتنفجر. كنت متوقعة أرجع ألاقي الكركبة المعتادة: أطباق في الحوض، وجزمة ياسين مرمية.. بس أول ما فتحت الباب، شميت ريحة "نظافة" وريحة طبيخ دافية.
اتسمرت مكاني. افتكرت إني دخلت شقة غلط! بس لوحة "التنين" اللي ياسين راسمها كانت لسه على الثلاجة، وكوباية القهوة المكسورة بتاعتي في مكانها.
المطبخ كان بيلمع، الزبالة فاضية، والجوابات اللي كانت مكومة مترتبة. سمعت صوت معلقة بتخبط في الحلة.
عم منصور كان واقف قدام البوتاجاز، لابس قميص من بتاع ياسين القديم اللي كنت هاديتهوله، وكان بيقلب في الحلة بتمكن. أول ما شافني، اتعدل بسرعة.
قالي: "عملت شوية عدس.. لقيت جزر وبصل في المطبخ. يا رب يعجبك."
لقيت طبقين محطوطين على الطاولة، وعيش محمص، وريحة تجنن. أول رد فعل مني مكنش الشكر، كان الشك! "أنت فتشت في دواليب المطبخ؟" قلتها بحدة.
رد بهدوء: "شفت المكونات اللي عندك، وكتبت لك ورقة بالحاجات اللي استعملتها عشان أعوضهالك."
ياسين خرج يجري من أوضته: "ماما! عم منصور صلح الباب!"
رحت جربت الباب.. مكنش بيزيق، والمفصلات بقت
قالي: "كنت فني صيانة في شركة مقاولات.. قبل الحادثة."
حكى لي إن سقالة وقعت عليه، رجله اتحطمت، الشركة صفّت حقوقه، والعمليات صرفت كل مليم حيلته، ولقى نفسه في الشارع.
فجأة قالي بهدوء: "أنا شفت جواب الطرد من الشقة.. قدامك 10 أيام."
انقبض قلبي. "عارفة."
قالي: "أنا مش معايا فلوس، بس أقدر أساعدك."
تاني يوم، منصور نزل معايا لمكتب صاحب البيت، "الأستاذ هاني"، راجل غليظ وبياخد الإيجار بالعافية. منصور اتكلم بثقة: "في مخالفات كتير في صيانة البيت ده.. مواسير الصرف، وأسلاك الكهرباء المكشوفة في السلم، وده ممكن يوديك في داهية لو المحافظة عرفت."
صاحب البيت اتخض. منصور كمل: "إحنا عاوزين شهر مهلة، وفي المقابل، أنا هصلح لك كل المشاكل دي من غير مصنعية."
وافق "هاني" بعد تفكير. وفعلاً، منصور في يومين غير شكل السلم،
التغيير مكنش بس في العفش، التغيير كان فينا. منصور جاله جواب بعد أسبوع بإن "معاش العجز" بتاعه اتقبل وهياخد مبالغ متراكمة. مكنتش ثروة، بس كانت كفاية يبدأ حياته من جديد.
منصور مسبناش كدا وخلاص؛ عمل عقد صيانة رسمي مع صاحب البيت بمرتب بسيط، وده أداله استقرار وأوضة في الدور الأرضي.
ياسين سأله في ليلة: "أنت هتقعد معانا علطول؟"
منصور بص لي وقاله: "هقعد لحد ما أقدر أقف على رجلي.. ولحد ما تزهقوا مني."
هزيت راسي وقلت له: "إحنا مكنش محتاجين حد ينقذنا يا عم منصور.. إحنا كنا محتاجين (شريك)."
لأن الحقيقة إن الغلط مش في إن الدنيا تلطش مع حد، الغلط إننا نفتكر إن "المصيبة" بتمحي قيمة البني آدم. منصور صلح الباب، بس الحقيقة إنه رمم فينا روحنا اللي كانت هتبوظ من الخوف. اللطف مش رهان خسران، ده أحياناً بيكون