المفاتيح فـي جـيبي... بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

«شقة هبة باسم ابني بس؟ عشان تطلعي من البيت الصبح!»
صدفة كشفت لزوجة ابنها سر خطير عن حماتها… فخدت القرار الوحيد اللي كان لازم تاخده.
مفاتيح حياتها الجديدة كانت في جيب الروب بتاعها، بتعمل رنة خفيفة مع كل خطوة وهي ماشية في المطبخ.

بقلم منــال عـلـي 

 كانت سلمى بتعمل قهوتها الصبح وبتسمع الصوت ده كأنه موسيقى… لحن صغير من الحرية.
— «يا سلمى… حطيتي الملح فين؟»
دوّى صوت آمِر من الصالة.
ده كان صوت حماتها نوال. صوت مميز، بيقدر يكون ضعيف ومتحكم في نفس الوقت، بيتحايل ويأمر في نفس اللحظة. خلال تلات سنين عيشة معاها، سلمى بقت تحفظ كل نبرة فيه. والمرة دي النبرة كان معناها: «أنا ست كبيرة… وأنتي لازم تخدميني».
— «إنه على الترابيزة يا طنط، زي كل مرة»، جاوبت سلمى بهدوء وهي بتقلب السكر في فنجانها.
— «مش شايفاه! عيني بقت ما بتشوفش خالص، وأنتي ولا بتساعديني!».    بقلم منــال عـلـي 
أخدت سلمى المملحة وودتها لها. كانت نوال قاعدة على «كرسيها»—كرسي واسع جنب الشباك—ملفوفة ببطانية تقيلة رغم إن الدفاية شغالة كويس. نوال ما رفعتش عينها وهي بتحط المملحة قدامها مباشرة على مسند الكرسي.
— «اتفضلي.»
— «كان ممكن تجيبيها قبل كده بدل ما تستني لما أطلب.»
سلمى ما ردتش. زمان كانت بتحاول تشرح، وتجادل، وتثبت وجهة نظرها. أما دلوقتي بقت بتجمع بس. كانت بتجمع كل كلمة

«كان ممكن»، وكل «لازم»، وكل «في بيتي». والأهم من ده… كانت بتجمع فلوس. سرًا، مية ورا مية، ألف ورا ألف. تلات سنين من التحويش، والشغل الإضافي، والحرمان من حاجات كتير. والنهاردة… مفاتيح شقتها الصغيرة في جيبها.
كانت الشقة صغيرة أوي، في أطراف القاهرة، لكنها كانت بتاعتها. ملكها هي. من غير حماة، من غير توبيخ، من غير ما تضطر تبرر كل دقيقة بتعمل فيها إيه.
— «أحمد فين؟» سألت سلمى.
— «أكيد في الشغل، خرج بدري.»
أحمد. جوزها. أحمد الطيب اللطيف… ضعيف الشخصية.
كان بيحبها—هي عارفة ده. بس كان بيخاف يزعل أمه أكتر من أي حاجة. سلمى كانت فاكرة إن كل حاجة هتتغير لما يعيشوا لوحدهم، بس ده ما حصلش. بعد طلاقها من جوزها، نوال خدت الشقة دي، وتمسكت بيها كأنها طوق النجاة بتاعها متوفره على روايات واقتباسات 
«دي شقتي، أنا مسجلة هنا، وعشت فيها طول عمري.»
وأحمد كان دايماً يهز راسه موافق.
رجعت سلمى المطبخ وفتحت موبايلها. رسالة من صاحبتها مي:
«ها؟ هتنقلي النهاردة؟»
كتبت: «النهاردة»، وبعدين مسحتها فورًا.
لا، مش النهاردة. النهاردة هتاخد حاجتها بس. الانتقال هيبقى بكرة. بس لازم الأول تعرفهم. لازم يبقى فيه سبب عشان ما تحسش إنها خائنة.
والسبب جه بعد ساعتين.
كانت سلمى بتفتش دولاب الهدوم في أوضة النوم، وبتحط لبسها في شنطة سفر كبيرة. كانت بتعمل كده بهدوء عشان محدش يحس. نوال كانت نايمة بعد
الغدا، وأحمد في الشغل. التوقيت كان مثالي.     بقلم منــال عـلـي 
تحت كومة من المجلات القديمة على الرف اللي فوق، إيدها خبطت في ملف. ملف كرتون عادي مربوط بخيط، وعليه طبقة تراب. فتحته سلمى تلقائيًا عشان تتأكد إن الأوراق تخصها. من جوه كانت فيه وثائق. بدأت تقلب الصفحات من غير تركيز، لحد ما عينها جت على جملة:
«عقد هبة. ملكية عقار…»
تجمّدت سلمى. إيدها بدأت ترتعش وهي ماسكة الورقة. قرأت السطر تاني… وتالت مرة.
كان مشروع عقد هبة للشقة. الشقة دي نفسها. من نوال لابنها أحمد.
التاريخ كان من يومين بس. وفي خانة «الموهوب له» مكتوب اسم جوزها بس. ما فيش أي ذكر لاسم الزوجة. وفي الملاحظات، بخط صغير، مكتوب:
«في حال الطلاق أو وفاة الواهبة تبقى الملكية للابن وحده.»
نزلت سلمى الورقة ببطء. فجأة كل حاجة وضحت.
في التلات أسابيع اللي فاتوا، نوال كانت مشغولة بشكل غريب، بتخرج كتير، بتهمس في الموبايل، وبتبان متوترة. وأحمد كمان كان بيخرج كتير «يقضي مشاوير»، رغم إنه متعود يرجع البيت بعد الشغل علطول.
كانوا بيخططوا لحاجة. كانوا عايزين يحموا الشقة من سلمى… لو حصل طلاق. أو لو نوال توفت فجأة.
سلمى قبضت إيديها بقوة. إذن كانوا بيجهزوا لرحيلها… أو للتخلص منها. هيخلوا الشقة باسم الابن لوحده عشان ما يبقاش لها أي حق فيها. تلات سنين وهي بتتحمل اللوم والسيطرة، وهما مستنيين اللحظة
المناسبة يرموها بره من غير أي حاجة.
لا. المرة دي الموضوع هيختلف.
صورت الوثيقة بموبايلها، ورجعت الملف مكانه، وقفلت الدولاب. كان تنفسها هادي، وإيدها ما كانتش بترتعش. الغريب إن الغضب اللي كان المفروض تحس بيه ما ظهرش. مكانه استقر جواها يقين بارد وواضح.
رجعت المطبخ، قعدت على الترابيزة، وفتحت الشات مع أحمد.
«لازم نتكلم. بجد. تعالي البيت بدري النهاردة.»
الرد جه بعد دقيقة:
«في إيه؟»
«هنتكلم في البيت.»
ما شرحتش حاجة. سيبته يقلق.
أحمد رجع الساعة ستة، أبكر من المعتاد. كان باين عليه القلق. دخل الصالة، خلع جاكيت بدلته بسرعة، وسأل:
— «سلمى، فيه إيه؟ أمي بخير؟»
— «أمي بخير»، قالت سلمى بهدوء. «تعالى المطبخ.»
قعدوا قدام بعض. سلمى طلعت موبايلها، فتحت صورة الوثيقة، وحطتها قدامه. أحمد بص للشاشة، وشه اتغير من الحيرة للصدمة، وبعدين للإحساس بالذنب.
— «ده… جبتيه منين؟»
— «لقيته في الدولاب… بالصدفة.»
— «سلمى، ممكن أشرح…»
— «إذن اشرح.»
مرر إيده على وشه، وكتفه نزل. كان شبه طالب اتمسك وهو بيغش.
— «أمي خايفة. خايفة لما ترحل تحصل مشاكل في الشقة، فقررت ترتب الأمور قانونيًا. ده إجراء قانوني عادي.»
— «إجراء قانوني»، كررت سلمى ببطء. «إجراء قانوني يسلبني أي حق في البيت ده؟ يا أحمد، احنا متجوزين بقالنا تلات سنين. أنا مسجلة هنا. دفعت من مالي عشان نجدد الحمام. اشتريت أثاث المطبخ. والنهاردة
قررت أنت وأمك تحموا نفسكم مني؟»
— «مش كده! أنتي مش فاهمة…»

تم نسخ الرابط