فرصه تانيه.. بقلم منــال عـلـي
فلوسك بح؟ وفجأة كدة افتكرت إني مراتك؟ توقيت لقطة بصراحة، أهنيك على الذكاء!" قالتها بتريقة وهي بتضحك ضحكة صفرا، مكسورة من كتر القرف.
دعاء زقت باب الشقة المأجرة بكتفها وهي مش قادرة، شايلة كيس الخضار وشنطة الشغل وكأنها شايلة هموم الدنيا. كان يوم "زي الفل"—٣ اجتماعات ورا بعض، وتقرير المدير رجعهولها مرتين، وتليفونها مابطلش رن طول الطريق بأسئلة مالهاش آخر. رجليها كانت واجعة عليها كأنها كانت بتلف في ماراثون، مش مجرد قاعدة ٩ ساعات على مكتب.
هاني كان قاعد قدام اللابتوب في الصالة، عينه في الشاشة وصوابعه بتكتك على الكيبورد ببرود مستفز. ولا حتى كلف نفسه يبص ناحيتها وهي داخلة. فضل باصص للشاشة وكأنه بيحل أزمة الكوكب.. مع إنها عارفة كويس إنه مجرد شيت إكسل لا راح ولا جه، ومحدش مهتم بيه غيره. بقلم منــال عـلـي
دخلت المطبخ، رمت الكيس على الترابيزة، وطلعت علبة أكلها من امبارح من التلاجة وسخنته في الميكروويف. بعد خمس دقائق، هاني ظهر، فتح التلاجة، وطلع أكله اللي كان شايله لنفسه في رف لوحده ومرتبه بالملي بعيد عن أكلها. جاب وجبة جاهزة وقعد قدامها.
أكلوا في صمت يقطع القلب. دعاء سرحت من الشباك في ضلمة ليل القاهرة. وهاني ماسك الموبايل وعمال يبتسم مع نفسه كل شوية. بقلم منال علي
المسافة بينهم متر ونص بالعدد.. بس حاساها بحر ملوش آخر. زمان كانت القعدة
فجأة نطق وهو باصص في موبايله:
"على فكرة، جبت ماوس جديد للكمبيوتر.. بتاع جيمينج. غالي حبتين—دخل في 3 آلاف—بس يستاهل. الشغل محتاج عِدّة نظيفة."
دعاء رفعت عينيها وبصتله. "للشغل". الكلمة اللي بيثبت بيها أي مصيبة بيشتريها.. مع إنه نص وقته ضايع في اللعب أونلاين. ما ردتش. قامت غسلت طبقها. هو خلص أكله وساب أطباقه وسخة على الترابيزة، ورجع للابتوب تاني متوفره على روايات واقتباسات
نشفت إيديها وبصت لطبقه. زمان كانت بتلم وراه وتغسل الأطباق وهي ساكتة. دلوقتي سابته مكانه. يغسله هو، إيديها مش خدامة عنده. زهقت من دور الست اللي بتدي طول الوقت وهو واخد كل حاجة "حق مكتسب".
تاني يوم الصبح، وهما بيفطروا، هاني طلع ورقة وحطها قدامها بتباهي:
"بصي يا ستي، خدت الزيادة. بقيت بقبض 18 ألف. وانتي 15، صح؟ يعني مرتبي بقا اكبر منك دلوقتي
دعاء اتسمرت مكانها والكوباية في إيدها. ضغطت عليها لحد ما عقل صوابعها ابيضت. بصت لمفردات المرتب، وبعدين لوشه المنشكح. حاجة جواها اتكسرت.. بس في هدوء تام، كأن خيط داب من كتر الشد لحد ما اتقطع لوحده.
"تمام"، قالتها ببرود وبصت من الشباك.
كان مستني منها انبهار، غيرة، أي رياكشن.. لكن دعاء شربت قهوتها، لمت شنطتها، ونزلت
بالليل، كانت نايمة بتبص للسقف. هاني جنبها مديها ضهره. بقالهم شهور "أغراب" في سرير واحد، مفيش بينهم اي شي كأن في حيطة سد اتبنت في نص السرير.
قعدت تفتكر.. هو إحنا وصلنا لهنا امتى؟ لما قرر "فلوسك لوحدك وفلوسي لوحدي" عشان مكنش عاجبه إنها بتجيب كريمات غالية؟ ولا لما بطلوا يزوروا أهاليهم مع بعض؟ ولا لما قعد يقرّ لصحباتها إنهم بيخرجوها كتير؟
بقوا مجرد اتنين بيسكنوا في بيت واحد، بيقسموا الفواتير وخلاص. والوجع ده كان بيكتم على نفسها أكتر من أي خناقة.
"الطلاق.." الكلمة رنت في سرها، وحست بعدها براحة غريبة، كأن في شباك اتفتح في أوضة خنقة.
بعد أسبوع، كل حاجة اتقلبت.
هاني رجع البيت حوالي الساعة ٦، بدري عن ميعاده. وشه كان مخطوف وأصفر وكأنه دبل. دخل المطبخ، صب لنفسه مية، وشرب كتير وهو باصص في الأرض.
"الشركة قفلت،" قالها وهو مش قادر يرفع عينه. "انتهى الموضوع. صفّوا كل الموظفين. هيدوني شهرين مكافأة وشكراً. أنا بقيت في الشارع."
دعاء كانت واقفة قدام البوتاجاز بتقلّب الشوربة. حست ببرود بيسري في جسمها. مش عشان زعلانة عليه—ده نصيب—بس عشان أول فكرة جت في بالها كانت: "دلوقتي هيعتمد عليا". وتفاخره القديم بمرتبه بقى فجأة تافه لدرجة إنها كانت هتعيط من السخرية، بس مسكت نفسها.
"أفهم من كدة هتعمل إيه؟"
"مش عارف.. هبعت الـ CV وأدور."
بس الحقيقة.
أول أسبوعين، كان مبلط على الكنبة. يقولك "بستجم من الضغط". كان معاهم تحويشة حوالي 50 ألف، تكفيهم ٣ ولا ٤ شهور لو مشيوا بالمسطرة. دعاء بتنزل الشغل كل يوم وترجع هلكانة، وهو لسه مرزوع قدام التليفزيون في نفس الوضع اللي سابته فيه الصبح.
"بعت الـ CV؟" تسأله وهي بتلع شنطتها.
"آه.. شوية،" يرد من غير ما يبص لها. "محدش بيرد، الدنيا أزمة وتصفيات في كل حتة."
لكنها كانت شايفة إن اللابتوب مقفول بقاله أيام، وموبايله جنبه بيلعب بيه بس.
بعد شهر، الموضوع زاد عن حده. بقى عايش حرفياً على الكنبة. ما بيقومش إلا للأكل أو الحمام. وقلب الشقة "سايبر"؛ بيلعب أونلاين ليل نهار، زعيق وشتم في المايك، والبيت بقى خرابة.
دعاء ترجع تلاقي مواعين متكومة، هدوم مرمية، فتافيت أكل في كل حتة. حاجة تقرف.
"هاني، ممكن تقوم تغسل المواعين دي؟"
"بعد شوية.. داخل راوند دلوقتي."
"بقالك ٣ ساعات بتلعب يا أخي!"
"قلت بعدين بقى!"
دخلت الحمام، رشت مية ساقعة على وشها وبصت في المراية. وش تعبان، هالات سوداء، وكسرة عين. عندها ٣٢ سنة بس تحس إن عندها ٤٠.
الخناقات بقت هي "الروتين". هي تطلب منه ينضف، وهو يطنش. تفكره بالشغل، يزعق ويقولها "السوق واقع". تقول تعبت، يصرخ إنها مش "ست أصيلة" ومش واقفة جنبه.
"ده مش شغل رجالة!" قالها مرة بمنتهى الثقة لما طلبت منه يكنس الأرض.
"والله؟ وأمال