فرصه تانيه.. بقلم منــال عـلـي
التحويشة بدأت تخلص. دعاء سحبت نصيبها—٤٠ ألف—وفتحت حساب لوحدها. وقالتله بوضوح: "خلاص، كل واحد يصرف على نفسه باللي معاه." هاني اتجنن واتهمها بالخيانة، لكن هي جمعت هدومها ونقلت الأوضة التانية. وبقوا حرفياً أغراب.
في الشهر التالت، حصلت الحاجة اللي مكنتش تتوقعها.
صحيت الصبح لقت حد بتمسكن. لفت.. لقت هاني.
"صباح الخير يا روحي.. نمتي كويس؟"
دعاء اتسمرت. بقالهم نص سنة ملمسوش بعض. و دلوقتي فجأة..
"خير؟ بتعمل إيه هنا؟"
"وحشتيني،" قالها وهو مبتسم ابتسامة صفرا، عريضة زيادة عن اللزوم ومصطنعة، كأنه متدرب عليها قدام المراية.
الأيام اللي بعدها، هاني بقى "ملاك". يشيل الأكياس، يمدح في لبسها، يغسل المواعين مرتين في الأسبوع. بس دعاء كانت حذرة.. كانت مستنية "الطلبات".
وفي ليلة، رجعت لقت الشموع منورة، ومزيكا هادية، وأكل مطبوخ (مش جاهز). وهاني لابس قميص أبيض ونظيف وماسك بوكيه ورد.
"نورتي يا حبيبتي.. أديت العشاء."
دعاء لمت الورد وهي حاسة ببرود غريب. كانت عارفة إن المشهد الرومانسي ده وراه فاتورة.
بعد العشاء، مسك إيدها وبصلها بـ "إخلاص" يوجع البطن.
"دعاء.. فكرت كتير فينا. وأدركت إني كنت غلطان. سامحيني. كنت أناني ومش مقدرك.
ما ردتش.. مستنية "الخلاصة".
"خلينا نبدأ من جديد.. من غير حوار 'فلوسي وفلوسك'. إحنا عيلة واحدة، ولازم نكون مع بعض في كل حاجة.. حتى في الميزانية."
أهلاً بالحقايق.
دعاء سندت ضهرها على الكرسي وضحكت ضحكة وجع:
"يعني الفلوس خلصت، وفجأة افتكرت إني مراتك؟ توقيتك لقطة بصراحة."
وشه احمر واتخطف: "إيه دخل الفلوس؟ أنا بتكلم عن المشاعر!"
"مشاعر إيه؟" وقفت دعاء بقوة. "٣ شهور مبلط على الكنبة وأنا اللي بصرف وبطفح الدم. لا نضفت ولا غسلت ولا دورت على شغل. ودلوقتي لما قرشك خلص، قررت فجأة توحد الميزانية؟ يا صدفة يا مؤمن!"
"انتي فاهمة غلط!"
"أنا فاهمة صح الصح. إنت محتاج قرشين، وده السبب الوحيد للتمثيلية دي."
الخناقة ولعت. كل اللي استخبى السنين اللي فاتت ظهر.. الوجع، المقارنات، القرف.
"كنت بتباهى بمرتبك وتكيدهالي بـ ٥ آلاف جنيه.. دلوقتي بقيت 'عيلة واحدة'؟"
هاني وطى راسه: "كنت غبي.. بس هتعوضك. هشتغل وهتغير."
بصتله دعاء بصه أخيرة. مكنش فيها غضب، كان فيها "فراغ". النور اللي جواها ناحيته انطفى خلاص.
"فات الأوان يا هاني. فات أوي."
دخلت الأوضة، لمت شنطتها. وهو واقف على الباب بيراقبها بذهول.
"رايحة فين؟"
"عند واحدة صاحبتي لحد
"دعاء.. لا.."
"لازم أمشي. أنا تعبت أكون 'ممول' و'خدامة' لرجل مش عايز حتى يحاول."
نزلت السلم وهي شايلة شنطتها. هو فضل ينادي من الممر، لكنها ولا بصت وراها. بعد ما دعاء نزلت الشنط في التاكسي، قفلت باب حياتها القديمة وراها. أجرت استوديو صغير في المعادي، قريب من شغلها. كانت أول ليلة تنام فيها في هدوء تام، مفيش زعيق ألعاب، مفيش مواعين متكومة، ومفيش حد بيحسسها إنها مجرد "حصالة" أو "خدامة".
هاني في الأول كان فاكرها "موجة غضب" وهتعدي، بس لما لقى البيت فضي بجد، والسكوت بقى هو اللي مسيطر، بدأ يحس بوزن "دعاء" اللي كان شايل عنه الشيلة كلها وهو مش حاسس. قعد أسبوع بياكل أكل جاهز لحد ما الفلوس شطبت، والبيت بقى ريحته لا تطاق.
لأول مرة في حياته، هاني وقف قدام المراية وبص لنفسه بصدق. شاف راجل أناني، ضيع ست أصيلة عشان شوية "إيجو" وكبرياء كداب.
نقطة التحول:
هاني مابقاش يفتح ألعاب. قفل اللابتوب خالص، وبدأ يلم الهدوم المرمية، يغسل المواعين بجد وهو بيفتكر تعبها. نزل يدور على شغل، مابقاش يستنى "المنصب" ولا "الرقم الكبير". اشتغل في شركة أصغر بمرتب أقل، بس قرر إنه لازم يبدأ يبني نفسه صح.
بعد شهرين.. دعاء كانت
"دعاء.. مش جاي أقولك ارجعي، جاي أوريكي إني بدأت أنضف بجد،" قالها بصوت فيه نبرة رجولة حقيقية لأول مرة.
طلع من جيبه ظرف صغير: "ده أول مرتب ليا من الشغل الجديد.. 14 ألف بس. دفعت منهم إيجار الشقة، والباقي شلته عشان أسدد لك جزء من اللي صرفتيه وأنا قاعد عالة عليكي. أنا مش عايز ميزانية واحدة يا دعاء، أنا عايزك انتي.. وعايز أثبت لك إني بقيت راجل يستاهلك."
دعاء بصت له بذهول. شافت في عينه لمعة كانت انطفت من سنين. مسكت الورد، ومسكت الظرف وهي مترددة، بس حست بوجع قلبها بدأ يهدى.
"هاني.. التغيير مش بكلمتين وعشاء رومانسي،" قالتها وهي بتحاول تبان قوية.
"عارف، وعشان كدة مش هضغط عليكي. بس هحاول كل يوم، وهفضل وراكي لحد ما ترجعي تنوري بيتنا تاني.. بس المرة دي وإنتي ملكة، مش مجرد شريكة فواتير." بقلم منــال عـلـي
مشي هاني وسابها واقفة، بس المرة دي دعاء مابكتش. ابتسمت وهي بتشم ريحة الورد، وحست إن "الفرصة التانية" ممكن فعلاً تكون أحلى من البداية نفسها.
الحياة لسه فيها كتير.. وأحياناً