السم في العسل.. بقلم منــال عـلـي
مرّ أسبوع كامل من اليوم اللي وقفت فيه نورا بالفستان الأبيض وسط فلاشات الكاميرات، وقالت "موافقة" قدام المأذون. كان لسه أسبوع عسل، ولسه الحياة ما دخلتش في الروتين. كانت فرحانة بجد… فرحة صافية من غير التمثيل اللي ناس كتير بتخلطه بالسعادة.
كان عصام بالنسبالها الراجل اللي كانت بتحلم بيه وهي عندها 24 سنة: هادي، جدع، بيهزر، وفي عينه عمق يخليك تغرق فيه. كان شغال محامي في شركة كويسة، ومرتبه مكفيهم يأجروا شقة حلوة أوضتين في منطقة هادية في القاهرة.
بقلم منــال عـلـي
كل يوم كان بيرجع البيت شايل ورد… أو على الأقل ابتسامة دافية. بس النهارده اتطلب منه ينزل الشغل رغم إنه في إجازة. ابتسمت نورا وهي بتعدل شنطتها على كتفها.
كانت نازلة تشتري عيش طازة وجبنة للعشا. الشمس كانت بتغيب، ومخليّة لون العمارات مايل للبرتقالي الهادي. فجأة سمعت صوت بيقول:
"يا جميلة!"
اتخضت نورا وبصت حواليها.
لقيت ست كبيرة واقفة جنب دكة قديمة، لابسة إيشارب غامق مغطي شعرها الأبيض. وشها مليان تجاعيد، وعينيها سودا غامقة… بتبص جواك كأنها شايفة روحك.
"دي عرّافة"، قالت نورا في نفسها. النوع ده موجود كتير في شوارعنا… عند المترو، في الأسواق، وفي الحواري.
بس الست دي كانت مختلفة. ما طلبتش فلوس، وما شدتش حد من هدومه… كانت بس واقفة وبتبص.
حاولت نورا تعدّي من جنبها وخلاص، بس فجأة الست مسكت إيدها. إيدها كانت ناشفة وقبضتها قوية بشكل غريب.
قالت بصوت واطي فيه خوف حقيقي:
"في دموع جاية عليكِ يا بنتي… ومصيبة كبيرة. اسمعي مني ومتسأليش… وإلا هتندمي ندم عمرك كله." متوفره على روايات واقتباسات
نورا حاولت تسحب إيدها وقلبها بيدق جامد:
"سيبيني لو سمحتي!"
بس الست ما سابتهاش، وعينيها فيها نظرة غريبة… شبه اليأس.
قالت:
"جوزك النهارده هيرجع بزجاجة عصير…
نورا اتجمدت مكانها.
"اعملي كده… وبكرة الصبح هتفهمي كل حاجة."
قالت نورا بتلعثم:
"إنتِ عرفتي إزاي موضوع العصير؟"
الست ما ردتش، بالعكس شدت على إيدها أكتر وقالت:
"متشربيش من كبايتك… بدّليهم بس واسكتي. ولو قولتيله كلمة… المصيبة هتيجي أسرع."
وفجأة سابت إيدها ومشيت كأن مفيش حاجة حصلت، واختفت وسط الناس.
فضلت نورا واقفة مكانها دقيقة كاملة… قلبها بيدق بسرعة. الدنيا حواليها عادية: عيال بتجري، ناس بتضحك، كل حاجة طبيعية… بس جواها كان في حاجة اتغيرت.
"هبل"، قالت لنفسها وهي ماشية بسرعة.
"دي واحدة مجنونة…"
بس رغم كده… كلام "دموع ومصيبة" فضل بيرن في دماغها.
رجعت البيت، حطت العيش والجبنة على الترابيزة، وشغلت نفسها في المطبخ. شغّلت أغاني هادية وبدأت تعمل سلطة. عصام كان المفروض يرجع كمان ساعة تقريبًا.
الصبح كان باعتلها رسالة:
"عندي مفاجأة لينا ❤️"
ابتسمت… بس ابتسامتها كان فيها قلق.
بصت لنفسها في المراية: بنت جميلة، بس في عينيها توتر خفيف.
"أنا مالي؟ هتوتر من كلام ست في الشارع؟" بقلم منــال عـلـي
حاولت تقنع نفسها إن عصام بيحبها بجد… وده واضح في كل حاجة: الصبح، قهوته اللي بيعملها لها، كلامه الحلو.
بس برضه… كان في حاجة مزعجة جواها.
افتكرت نظرة أم عصام الغريبة يوم الفرح… وافتكرت إنه كان بيتهرب لما تسأله عن خطيبته القديمة.
حاجات صغيرة… بس بدأت تكبر جواها.
فجأة، باب الشقة اتفتح.
"يا نورا! أنا جيت!"
خرجت بسرعة، لقته واقف ومعاه كيس وبيضحك:
"مفاجأة!"
طلع زجاجة عصير فخم وقال:
"نحتفل بأول أسبوع لينا ❤️"
نورا اتجمدت لحظة… نفس الكلام!
ابتسمت بالعافية:
"حلو أوي… تسلم."
دخلوا المطبخ. عصام فتح الزجاجة، وصب العصير في كبايتين.
"لينا"، قال وهو رافع الكوباية.
نورا رفعت كوبايتها… بس جواها صوت بيصرخ:
"متشربيش!"
قربت الكوباية من بوقها… وتظاهرت إنها شربت.
عصام شرب نص الكوباية مرة واحدة.
سابت نورا الكوباية على الترابيزة… وقلبها بيدق جامد.
"بدّلي الكبايتين…"
بصت حواليها… عصام كان مدي لها ضهره وبيطلع الأكل من التلاجة.
في ثانية واحدة… بدّلت الكبايتين بسرعة.
إيديها كانت بتترعش… بس الحركة كانت مظبوطة.
ورجعت وقفت عادي كأن مفيش حاجة حصلت.
قعدوا ياكلوا سوا، ويهزروا كأن كل حاجة طبيعية. عصام بيضحك، بيقرب منها، بيهزر… كأنه نفس الشخص اللي بتحبه.
بس كل شوية… عين نورا كانت بتروح للكباية.
لحد ما عصام رفع الكوباية وقال:
"نشرب تاني… علشان مفيش دموع في حياتنا."
ابتسمت نورا… وشربت رشفة صغيرة جدًا.
الطعم كان عادي… مفيش حاجة غريبة.
بس قلبها… كان بيقول إن اللي جاي مش عادي خالص.
كان عصام شارب كمية أكبر بكتير. خدوده احمرّت شوية، وعينيه فيها لمعة هزار. قعد يحكي موقف من أيام الكلية، بيضحك بصوت عالي وبيحرك إيده بحماس.
أما نورا… كانت قاعدة قدامه وبتسمع وتهز راسها، بس عقلها كان في حتة تانية خالص.
"وبكرة الصبح هتفهمي كل حاجة…"
تفهم إيه؟
إيه اللي المفروض تعرفه لما النهار يطلع؟
هي الست دي كانت بتقول الحقيقة؟
ولا كله كان هبل وخيال
بعد العشا، دخلوا الصالة بهدوء.
عصام شغّل أغنية رومانسية… نفس الأغنية اللي رقصوا عليها في الفرح. ومد إيده وقال بابتسامة:
"تيجي نرقص يا مراتي الحلوة؟"
قرب منها وهمس:
"إنتي هادية زيادة النهارده."
"لا عادي… بس تعبانة شوية. يوم طويل… بس أنا مبسوطة قوي."
"وأنا كمان مبسوط. عارفة؟ ساعات بحس إني محظوظ إنك وافقتي عليّ."
وضاف وهو بيضحك:
"كنت خايف تختاري حد أحسن مني."
ابتسمت وقالت:
"إنت مجنون… إنت أحسن واحد في الدنيا.
ناموا متأخر.
عصام نام بسرعة، نفسه كان هادي ومنتظم طبيعي
لكن نورا فضلت صاحيّة، عينيها مفتوحة وسرحانة في السقف.
سابِت الكبايتين في المطبخ زي ما هم… ما غسلتهمش.
الليل كان تقيل… بيمشي ببطء. أي صوت بسيط كان بيخضها.
كل شوية تبص عليه…
يا ترى نفسه هيتغير؟
يا ترى هيقوم يشتكي من حاجة؟
بس لأ… كان نايم عادي جدًا، كمان كان بيبتسم وهو نايم!
حوالي 3 الفجر، غلبها النوم شوية… بس حلمت بنفس الست.
المرة دي ما كانتش بتهمس… كانت بتصرخ:
"بدّلي الكبايتين! بسرعة!"
صحيت مفزوعة على حركة عصام.
الساعة كانت حوالي 8 الصبح.
قام بصعوبة، ماسك راسه:
"دماغي بتلف… يمكن شربت زيادة امبارح."
قامت نورا بسرعة:
"مالك؟ أجيبلك مية؟"
قال وهو متلخبط:
"حاسس إحساس غريب… كأني مش أنا."
قام بالعافية وراح الحمام. بعد شوية سمعت صوت مية… وكحة قوية.
قلبها وقع.
جريت على المطبخ… الكبايتين لسه مكانهم.
الكوباية اللي شرب منها عصام — اللي كانت أصلاً بتاعتها — كانت فاضية تقريبًا.
أما كوبايتها هي… كانت مليانة.
مسكتهم بإيديها المرتعشة… شمّت… مفيش ريحة غريبة.
بس الخوف جواها كان بيكبر.
خرج عصام من الحمام وشه أصفر وعرقان.
قال بصوت ضعيف:
"نورا… أنا تعبان جدًا. يمكن اتسممت؟"
قعد بالعافية، ماسك راسه.
مسكت إيده… كانت ساقعة جدًا.
قالت:
"أكلم دكتور؟"
قال:
"استني شوية… يمكن يعدي."
رجع نام بالعافية. نورا جابت له مية ودواء، وقعدت جنبه.
الوقت كان تقيل جدًا.
الساعة 9… حالته ساءت أكتر. رجليه ضعفت، وبدأ يرجع.
قال وهو بيحاول يهزر:
"يمكن العصير كان بايظ…"
نورا ما ردتش.
هي فهمت كل حاجة.
لو ما كانتش بدّلت الكبايتين… كانت هي اللي في مكانه دلوقتي.
وقفت عند الشباك… الدنيا برة عادية. ناس ماشية، عربيات… كل حاجة زي ما هي.
بس حياتها هي… بتقع.
هل الراجل
دموعها نزلت بس مسحتها بسرعة.
سمعت صوته:
"نورا… تعالي… أنا خايف."
لفت له… شكله ضعيف جدًا.
قعدت جنبه ومسكت إيده:
"أنا هنا… متقلقش."
بس جواها سؤال تقيل:
تصدق قلبها… ولا تصدق الست؟
فكرت تقول لحد؟
تحكي موضوع الست؟