في لحظه.. إنكشف كل شيء بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

– "إنت جرا لعقلك إيه؟! يعني عايزني أدخل أهلك شقتي اللي حاطة أملي في إيجارها، وأسيب بنتي تشحت؟ أقولها اتصرفي يا ضنايا مع نفسك؟ هو ده اللي إنت عايز توصل له؟!" بقلم منــال عـلـي 
– "يا ندى، ليه معانده كدة وراكبة دماغك؟ والله العظيم أهلي مش غُرب! دول بقوا أهلك إنتي كمان!" – أحمد قال الكلمتين دول وهو بيطوح إيده في الهواء وعروقه بارزة من العصبية.
كنا قاعدين في المطبخ.. زقيت "المج" بتاعي المفضل بعيد عن طرف الترابيزة عشان ما يوقعوش بتهوره، المج ده كان مكتوب عليه: «أحلى ماما في الدنيا».. كانت بنتي سارة جايباهولي هدية من مصروفها.
نفسي اتقطع من كتر الكلام، لَفيت وشي الناحية تانية ووقفت قدام البوتاجاز أكمل العشا وأنا ببرطم.
– "ما هم كبروا يا ندى وخلاص مابقاش ليهم حمل على بهدلة،" – كمل أحمد بضغط – "محتاجين حد يراعي لقمته ويهتم بيهم! وإنتي عندك شقة مقفولة وبياكلها التراب في العمارة اللي جنبا! خليهم يسكُنوا فيها، فيها إيه يعني؟"
– "يا أحمد،" – ردت عليه بنبرة هادية على قد ما قدرت أكتم غيظي – "الشقة مش بياكلها التراب، دي مستنية زبون

يدفع إيجارها! والشقق في المنطقة دي إيجارها وصل لـ 15 ألف جنيه في الشهر.. وده الدخل اللي ساندة ضهري بيه! متوفره على روايات واقتباسات 
– "الفلوس دي هي اللي بتصرف على تعليم سارة في طب قصر العيني.. فاكر سارة؟ بنتي اللي في رابعة طب ومطحونة في المذاكرة والمواصلات؟ وعلى فكرة، أنا عمري ما مدت إيدي ليك وطلبت قرش عشانها!"
أحمد نفخ بضيق ووشه جاب ألوان. الغريب إنه أول ما عرفته من أربع سنين، كان راسم دور الراجل "ابن الأصول" الحنين اللي ملوش زي.
– "طبعًا بنتك دي فوق راسي،" – كان دايمًا يقولي وهو بيبص في عيني بتمثيل متقن – "أنا مقدّر إنك شايلة الشيلة لوحدك كأم، وده حمل جبال."
بس التقدير ده كله فص ملح وداب أول ما السيرة جت في "القرشينات". يمكن كان مأمن إن بنتي بعيدة ومنكفية على كتبها في سكن المغتربات ومش بتيجي البيت غير كل فين وفين.
الشقة اللي قالبين عليها الدنيا دي، أنا ورثتها عن "ستّي" الله يرحمها. كانت هي الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها من حياتي القديمة، طبعًا بعد بنتي سارة.
لما "محمود" جوزي الأولاني سابني وراح اتجوز سكرتيرته اللي
من دور بناته، الشقة دي هي اللي سترتني أنا وبنتي من المرمطة. وبعد ما سارة كبرت ودخلت الجامعة، أحمد دخل حياتي، وقلت خلاص الدنيا بدأت تضحك لي.
– "ما سارة ممكن تأجل سنة من الكلية،" – أحمد قالها ببرود وهو بيصب لنفسه كباية شاي – "أو تشوفي لها قرض تعليمي من البنك زي ما كل الناس بتعمل! وبعدين هي كبرت و بقيت شحطة وتقدر تسدده لما تتخرج وتشتغل.. متبقيش محبكاها أووي كدة!"
أنا اتسمرت مكاني من الصدمة، كأني وقعت من فوق نخلة!
– "إنت بتقول إيه؟! يعني أدخل أهلك شقتي وأسيب بنتي تتبهدل وتستلف؟ أقولها روحي مدي إيدك للبنك؟!"
– "ليه بتعملي من الحبة قبة؟" – صوته علي وجن جنونه – "بنتك على حد علمي بتنزل شغل جنب دراستها.. طب وأهلي؟ يا ندى، افهمي، دول كسروا السبعين! أبويا قلبه تعبان، وأمي ضغطها بيعلى من أقل حاجة.. لازم يبقوا تحت عينينا!"
– "تمام،" – قلت له ببرود يفرس – "أنا مش معترضة.. ييجوا ينوروا المنطقة. يأجروا شقة قريبة مننا، حتى لو في نفس العمارة.. أو..."
سكت شوية وبصيت له بتركيز:
– "يا سيدي، يأجروا شقتي أنا.. وهعملهم "خصم قرايب"، بدل 15 ألف يدفعوا
12 ألف بس! كدة أنا متهودة معاهم لآخر خطوة!"
أحمد شرق في الشاي وفضل يكح لما وشه ازرقّ.
– "إنتي عايزة أهلي يدفعوا لك إيجار في شقتك؟!" – بص لي كأني كفرت – "إحنا عيلة واحدة يا ندى!"
– "وسارة دي تبقى جيراننا؟!" – رزعت السكينة على الترابيزة بصوت هز المطبخ – "ولا العيلة دي متفصلة على مقاس أهلك وبس؟! وبعدين، قولي بصراحة كدة.. بنتي دي تلزمك في إيه أصلًا عشان تخاف على مستقبلها؟!"
– "سهل أوي تمثلي إنها مش موجودة! أنا بحترم أهلك، بس لما التخيير يبقى بين بنتي وأي حد تاني، طبعًا هختار بنتي! متوفره على روايات واقتباسات 
اليومين اللي وراهم كنا زي الأغراب، كلامنا "أيوة، لأ، هات الملح". مكنش حوار، كان أشبه بمفاوضات بين بلدين داخلين حرب.
في اليوم التالت، نزلت إعلان تأجير الشقة تاني.
وفي اليوم الرابع، لقيت مستأجرين لقطة: زوجين محترمين ومعاهم طفل، شغالين ومستعدين يدفعوا تلات شهور مقدم.
في اليوم الخامس، أحمد عمل خناقة وصلت للجيران.
– "إنتي عملتي إيه؟!" – دخل البيت زي الإعصار، لدرجة إن القطة "بسبس" اللي هادية دايمًا جريت استخبت تحت الكنبة
– "أجرتي الشقة لناس غريبة؟!"

تم نسخ الرابط